ومنهجم الفقهي الحدي الآحادي، ولذلك أقول: حسم أمره بهجرهم، ولذلك لما ذهب لأفغانستان كان صاحب فقه لا يمكن حصره لا بالسلفية ولا بالمذهبية، بل هو ينتقي بحسب ما أداه وسعه؛ يقرأ ويسمع ويقارن ويجتهد، وفي أفغانستان كان هناك حالة أولى جديدة تمتحن الفقه السلفي المعاصر، وهو بعمومه فقه -كما تقدم وصفه- حدي آحادي خاصة لما صنعه الشيخ الألباني، بخلاف مدرسة الجزيرة العربية، والتي لم تكن هي يومها صاحبة الصوت المرتفع في هذا الباب، فهذا جهاد أمة، وما التنظيمات إلا نتاجها، لأنها لم تنشأ هذه التنظيمات إلا لحوقا للجهاد، لا قادمة من الخارج عليه، وهذا بخلاف المهاجرين من الخارج إلى أفغانستان، وكانت محنة الشيخ في التوفيق بين نفوس أصحاب هذه المدرسة من الشباب وعامة النافرين منهم، وبين بيئة هذا الجهاد -وهو اختيار أهلها للتمذهب-، وعانى الشيخ من هذا الصدام كثيرًا، ولم تسعفه كل الفتاوى القديمة والحديثة في صد هذه الخصومة، حتى إن بعضهم ذهب بماله ومكره لشق عصا جماعة قوية ليجعل التنظيم الذي أنشأه وزوره قائما على مذهب هو اختياره السلفي المعاصر، مبعدا إياه وقائده عن تنظيمه الأصلي، وهذا يمكن تصوره بإنشاء تنظيم قبل الجهاد، أو بدعوة تقوم بها في بلد، لكن أن تجعل الجهاد مأسورًا لفقهك؛ فإن هذا من خطأ الفعل وغلطه، ولذلك كان الصدام على أساس الاختيار الفقهي هو أول خصومة تحصل في الجهاد الأفغاني، مع أن الخصومات والصراعات على أسس أخرى كان منتشرا، فلم يزد هؤلاء إلا أن صنعوا خصومة جديدة هي حرب المذهبية، وقد نجحوا بسبب المال والمكر، ولكن بمجرد أن حققوا الخصومة والمقتلة انسحبوا بلا عودة، بل بكلمة واحدة: انتهى الجهاد فعودوا إلى نسائكم.
كان الشيخ يعاني من هؤلاء كثيرا، وشكلوا له صداعًا مرسومًا ولم يرتقوا إلى مستوى فقهه في حالة الجهاد الأفغاني حتى كان من معارك العقول الذرية هو رفض التقيد بهيئات الصلاة التي لا يعرف الافغان غيرها، وينكرون على المخالف أشد الإنكار، وطوائف البدع تستثمر هدا خير استثمار في سبيل طرد العرب من الجهاد بحجة أنهم وهابيون، ولكلمة الوهابية وقع غير حميد في تلك المجتمعات المغلقة، ولم يتورع البعض في نسبة الشرك للأفغان، وإبطال جهادهم كله بدعوى أنه قتال بين مشركين وملحدين.
ذهب الشيخ إلى أفغانستان وقد استقر في ذهنه أن إمام الجهاد هو سياف بن عبد رب الرسول، لأمور عديدة أهمها أن أكبر فصيلين مقاتلين في أفغانستان -وهما الجمعية والحزب- لا يقبلان أبدًا أن يتولى أحدهما قيادة الوحدة الوهمية بين الفصائل المتعددة، فارتضوا أضعفهم وهو سياف، ولم يكن سياف من النوع الذي لا يستغل هذا الوضع، فقد أحسن في المكر والخداع، وكان الشيخ عبد الله عزام من ضحاياه، فقد ظن أنه إمام جهاد بحق، وأن كل الجهاد تحت قيادته، فتعامل معه على وفق هذا، فكانت التبرعات التي تأتي على يد الشيخ للجهاد الأفغاني تذهب لسياف، ولم يكتشف الشيخ سر دجل وكذب سياف حتى دخل المجاهدون العرب فعلم أن تنظيمه من أصغر التنظيمات في أفغانستان، ولذلك غضب حكمتيار قائد الحزب الإسلامي على الشيخ وهدده بالقتل، فاضطر الشيخ أن يأوي إلى أحد المعسكرات مدة من الزمن حتى تهدأ النفوس.
كان الوضع الجديد لمجتمع لا يعرفه الشيخ سابقًا امتحانًا عظيمًا لقدرات الشيخ، وقد عانى آلام هذا الواقع الجديد، لكنه استطاع بعد ذلك أن يتدارك هذا كله، ويعرف كيف يوظف الحال، ويحقق الخير منه، ويأبى الله إلا أن يظهر مآل السوء في سياف فيكون في عدوة الكفر فيرتد ويوالي المشركين الأمريكان ضد طالبان، وقد آل أمره إلى مزبلة التاريخ، ومضى الشيخ إلى ربه شهيدا، نحسبه والله حسيبه.
وهذا الإكتشاف لواقع الحال ليس هو الوحيد، بل كان من فضل الجهاد على الشيخ أن أخرجه من خطه الإخواني في التعامل مع الزنادقة الروافض، ومن النظر إلى دولتهم المزعومة، حيث تغير فكره تجاهها، ولم يكن بعد ذلك على حال ما كان عليه عامة الإخوان المسلمين في الأردن من