فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 38

عَلِيمٌ (آل عمرآن: 121) . يغدو وأمامه السدود والموانع، وليس عنده من مُعين إلا الله وبين عينيه {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} (يس: 9) . يغدو وأمامه قوله تعالى: {قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} (طه: 46) . يغدو وعينُه على صيده، وقلبه ذاهبٌ لربه، وريح الجنة عبق جوانحه، ونفذ إلى شرايينه.

هنا خرج الزبير رضي الله عنه في أصعب من حالنا عند اليرموك حين رأى اصطفاف الروم للقتال، والناس لا يرون لصفوف الروم انتهاء، فيقرِّر الزبير قراره، ويبدأ برحلة يرى كلُّ من رآه أنه ميت ميت لا محالة، فيخترق صفوفَ العدو من أولهم إلى آخرهم طعنًا وضربًا حتى إذا شقَّ الجيش عاد ثانية إلى حيث ابتدأ، تبللت ثيابه دمًا، وما ازدادت همته إلا غيرة لله ونقمة على أعدائه، تناوشته الأسلحة، وطُعن، وما مات لكنه أحيا همة جيش بأكمله، وجرَّأهم على عدوهم، وأوهن بفعلته هممَ الروم. قال هشام بن عروة عن أبيه: إنَّ أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم قالوا للزبير يوم اليرموك: ألا تشد فنشد معك؟ فقال: إني إن شددت كذبتم [1] . فقالوا: لا نفعل. فحمل عليهم حتى شقَّ صفوفهم، فجاوزهم وما معه أحد ثم رجع مقبلًا، فأخذوا بلجامه [أي: لجام فرسه] ، فضربوه ضربتين على عاتقه، بينهما ضربة ضربها يوم بدر. قال عروة: كنت أدخل أصابعي في تلك الضربات ألعب وأنا صغير [2] .

وهنالك ينفلت أسد آخر، إنه عكرمة بن أبي جهل، بموقف عديم النظير، وعنده ما يبرر فعله، فعن ثابت، أنَّ عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه ترجَّل يوم اليرموك، فقال له خالد بن الوليد: لا تفعل، فإنَّ قَتْلَك على

(1) كذبتم: خلفتم ولم تشدُّوا معي.

(2) أخرجه البخاري (3765) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت