أين الله القائل: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) } (الدخان) .
رضي الله عن عمر: يرى بعينيه مِن ها هنا قريبَ ربعِ أصحاب رسول الله صلى الله عليه آله وسلم قتلى في ساح أحد، ويرى الجراح قد أثخنت الأحياء، فما من رجل إلا نزفت جراحُه، بما فيهم المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم- فداه أبي وأمي-، ويرى الكفر قد انتشى وانتفخ، ومن هناك يسمع صوتَ أبي سفيان يرتفع باستعلاء، ويتردد صداه بين الجبال: أُعلُ هبل، أُعلُ هبل. نسي عمر القتلى والجراح، ولم يطق صبرًا، فأجاب رضي الله عنه، فقد روى البراء رضي الله عنه: ... فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أن يُجيبوه، ثمَّ قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرَّات، ثمَّ قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات، ثمَّ رجع إلى أصحابه، فقال: أمَّا هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمرُ نفسَه، فقال: كذبتَ، واللهِ، يا عدوَّ الله، إنَّ الذين عددتَ لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك، قال أبو سفيان: يومٌ بيوم بدرٍ، والحرب سجال، إنكم ستجدون في القوم مُثلَةً، لم آمر بها ولم تسؤني، ثمَّ أخذ يرتجز: أُعلُ هُبَل، أُعلُ هُبَل. قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ألا تجيبوا له؟ قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجلُّ. قال: إنَّ لنا العزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: ألا تُجيبوا له؟ قالوا: يا رسول الله، ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم [1] .
الشوارع محروسة؟! هنا يكون اليقين، هنا يتميز المؤمنون المتوكلون المفوِّضون أمرهم لربهم، هنا يخرج العبد من بيته والله يرقب غدُوَّه وهو السميع العليم: وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ
(1) أخرجه البخاري (3039) ، وأحمد 4/ 293، وأبو داود (2662) ، والنسائي في"الكبرى" (8581) .