إيهٍ أيتها النفس لقد صدق الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} (التوبة: 38) .
أتريدين المحافظة على كل هذا وترجين بعده الإيمان؟!
أتريدين أن تجمعي بين المتاعين؟
أتريدين أن تجمعي بين مرضاة الله ومرضاة الصليبيين والمنافقين؟!
أتريدين أن تجمعي بين القعود وبين الشهادة؟
فبالله عليكِ إن لم تكن سورة التوبة نزلت فيكِ وفي أمثالكِ ففي من نزلت؟ ألم تسمعي قول الله تعالى: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} (التوبة: 42) . وقوله تعالى: {لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} (التوبة: 57) .
ألم يعلم الله تعالى بهذا البلاء الصعب؟
ألم يكن للأولين أبناء وأموال وبيوت وأعراض ومألوفات في الحياة؟
يا للخزي: رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصحراء الهاجرة والشمس المحرقة، قاصدًا قتال الروم، وأبو خيثمة في بستانه، وعنده الماء البارد وحوله زوجتاه وعياله ... لا والله! لا تغرب الشمس على المدينة وأنا فيها، بل والله لا أقعد على حصيري لحظة، إنما مقعدي ظهر ناقتي، جهِّزوني جهِّزوني.
وانطلق أبو خيثمة يسابق الغروب، ويسبق الريح الهبوب، وما سكن حتى رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصدَّقه في عذره، فرضي عنه، وعفا عنه، ودعا له؛ لتبقى هذه السُّنة لكل من عاد صادقًا.