كيف يجمع المرء بين هذه المتناقضات، والعجب من بعض الناس يظنوا أن الحكمة هي اللين دائمًا، أو أن بعض الناس يظن أن الشدة هي الحكمة دائمًا، وهذا غلطٌ وخلطٌ غريب يؤدي إلى إفساد أحوال العباد وأحوال العالم، فلابد أن يكون المرء جريئًا في باب ومن جاء ليخوفه من حمله للسلاح ومن قتاله فهو التثبيط، أليس في أمة محمد من يُثَبّط؟
وهناك في أحوال يجب على المرء يلزم مقعده وأن يسكن في بيته فمن جاء يريمه حركة وريبة فعليه أن يظن به السوء وأنه يريد به الفتنة، هذا هو تمام الخير بالنظر إلى إخلاصه أنه لا يريد لنفسه بل في بعض الأحوال -كما قال صلى الله عليه وسلم-: «لو رأيت شعاع السيف» وخفت من شعاع السيف، ماذا خفت منه؟ خفت منه أن يحركك لقتال، لو دخل أحدهم على بيتك وحمل السيف وأراد قتلك فخفت من شعاع السيف، ما معنى أن تخاف من شعاع السيف؟ أي أن يحركك من أجل أن ترده وتقاتله، قال: «فألقِ عليك ثوبك» حتى لا يحركك شعاع السيف «فكن عبد الله المقتول ولاتكن عبدالله القاتل» .
وانظر إلى فساد الناس في تقديراتهم في هذا الزمان وفي وضعهم للأمور في غير موضعها إذ يأخذون هذه الأحداث ويأخذون هذه الأحاديث ويطبقونها على من أمرهم الله عز وجل بقتالهم، وجعل أعظم الأجر في إراقة دمائهم ومع ذلك يأخذون هذا الأمر ويأخذون هذه الأحاديث ويأخذون هذه السيرة المطبقة من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولًا، وفعلًا من أصحابه، فيضعونها في غير موضعها، ويرفعون أحاديث للناس ويقولون انظروا ماذا يدعوكم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا يدعوكم إلى ترك القتال والصبر على البلاء، وأن تكون عبد الله المقتول لا أن تكون عبدالله القاتل.
وهذا كله -أيها الإخوة الأحبة- كمن رأى أن العمامة لباس وهي حقٌ اللباس، وأن الحذاء لباس وهو حقٌ لباس، فلجامع الأمر بينهما في كونهما لباسًا وضع الحذاء فوق رأسه، وألبس رجله العمامة، هذا هو شأنهم.
وحين يخاطب بأنك قلبت الأمور وأفسدت دين الله وغيرت الحقائق قال لك هذا حديث نبوي، قال لك هذا دين الله، أتنكر علي احتجاجي بآية أو حديث أو بفعل