هل رأيت واحدًا من الناس يوم ذاك يقول هذه الكلمات؟
بل انظر إليهم وهم يتحينون الفرص لقتل خصومهم وإحداث النكاية فيهم في موطن البأس ترى شدةً وقوةً وبلاءً وتصيدًا ومكيدًا بأعداء الله.
وفي موطن الدعوة ترى حكمة وترى ترققًا وترفقًا في الناس يدعونهم إلى الخير، فهل ترى ثمة تعارض بين هذا وهذا؟
حين يدعى صحابي جليل إلى القتال في زمن فتنة الصحابة، يدعى سعد بن أبي وقاص هذا الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُريش له السهم ويقدمه إليه ويقول: «ارمِ فداك أبي وأمي» ويرمي، ولكنه عند حضور القتال بين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لن أقاتل حتى ينزل لي سيف من السماء يفرق بين المحق والمبطل، هنا شدة وبأس ورمي مع قرارة نفس بصواب ما يفعل، وهناك تشكك وإجفال وتردد من أن يقول كلمة تثير شرًا بين المسلمين.
فكيف تجمع القلوب هذه الأحوال المتعددة والتي لا يمكن للمرء أن يجمعها إلا أن يكون عاملًا لله، عالمًا بدين الله، أما أن يكون المرء شديدًا في كل باب، مقدامًا في كل حالة هذا هو التهور بعينه.
أن يكون شديدًا في كل حالة وفي كل باب، هذا هو السفه بعينه، أو أن يكون مترددًا في كل حالة، فهذا هو الجبن بكل مافيه.
وأما المسلم الذي يرقب إرادة الله ويريد وجه الله ويكون عالمًا بدين الله، نعم يكون شديدًا في وقت تظن أن الدنيا لا تقف له، لا تزعزعه الموانع، ولا تقف أمامه الموانع مقدام شديد.
ربما الناس يثبطونه ويريثونه وهو لا يلتفت لهم، وفي وقت آخر يجلس كحلس بيته «كونوا أحلاس بيوتكم» أي أن يكون المرء ككرسي في البيت لا ينطق ولا يتكلم ولا بلفظة واحدة، بل لا يروم مكانه إلا لصلاة أو لخير ولا يمشي برجله في أمرٍ من أمور الناس.