الصفحة 9 من 23

للكافرين على المؤمنين سبيلًا )) ، فإن المعلوم من وقائع الحياة والتاريخ أن الكافر قد يتغلب على المؤمن، وهذا التغلب سببه ضعف المؤمن وقوة الكافر، فدل هذا أن وصف الإيمان هنا هو ايمان الفعل، وهو ها هنا إيمان الجهاد الذي يملك القدرة على الغلبة والظفر على عدوه، ولذلك عدّ بعض أهل العلم هذه الآية أمرًا لا خبرًا وإن كانت بصيغة الخبر، لأن من صيغ الأمر أن يأتي على وجه الخبر كقوله تعالى (( الحج أشهر معلومات ) )وكقوله صلى الله عليه وسلم:- إذا أقبل الليل من ها هنا (( وأشار إلى المشرق ) )، وأدبر النهار من ها هنا (( وأشار إلى المغرب ) )فقد أفطر الصائم )) .

وعلى هذا المعنى يكون قوله تعالى (( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا ) )أمرًا الهيًا للمسلمين أن يعملوا وسعهم في رد سيطرة الكافر، ووجوب منازعته حتى يكون الأدنى لا الأعلى كما في قوله صلى الله عليه وسلم:- (( الاسلام يعلى ولا يعلى عليه ) )،ولذلك كان من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم في اللحظات القاسية في غزوة أحد وهو صاعد إلى الشعب وقد علت عالية من قريش الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- (( اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا ) )فاشتد الصحابة في القتال حتى أنزلوهم عن الجبل.

فدل كل هذا أن الفكر والنظر إيمان، كما القوة إيمان، وامتلاك أدوات الفعل ايمان، وبعض هذه واجب من واجبات الايمان إذا كانت لأداء أمر واجب، وبعضها واجب كفائي، وبعضها مستحب، وذلك بحسب الفعل الشرعي المطلوب ومرتبته في دين الله تعالى.

هناك أحاديث شريفة صحيحة تسير إلى فضل الضعفاء من المؤمنين، وقد يضعها البعض موضع المعارضة لذلك غلطًا، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:- وهل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم )) وهذا حق لأن الفعل الايماني لا يكون إلا بتوفيق الهي وهداية ربانية، كما أن من أسباب الفعل الدعاء والاستغاثة والتوكل واليقين، وهي أسباب شرعية قدرية، وضعفاء المسلمين هم أقرب من غيرهم في هذا الباب، فإن المبتلى يعلم قيمة الشيء أكثر من مالكه، فهؤلاء يطلبون الرزق طلبًا فيه معنى لا يوجد عند طلب الغني الذي لا يخشى الفقر، وهم يطلبون النصر لمعاني في قلوبهم لا يدركها الأقوياء الأسوياء ولذلك يحصل بسببهم من الخير للمسلمين في باب الرزق والنصر ما لا يحصل لغيرهم في عالم الغيب، ومع ذلك فليس معنى هذا أن الأسباب التي يحققها الأقوياء في باب الرزق وباب النصر منفية كما يظن البعض، إنما هو تنويه لأهمية الفقير في توفيق الغني، ولأهمية الضعيف في توفيق القوي، فما يجريه الله تعالى في عالم الغيب من توفيق لصاحب السبب في عالم الشهادة إنما يكون أغلبه بسبب أعمال الفقراء والضعفاء الخفية، وهذا المعنى يشبه قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث (( وفي كل خير ) ).

هذا في عالم الغيب في تفسير هذا الأمر، وأما في عالم الشهادة فإن هناك وجوهًا كثيرة تفسر هذا الحديث، ذلك لأن الفقير والضعيف سبب تحريض للفعل كقوله تعالى (( ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها وجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا ) )، فقد حرض الله عباده المؤمنين الأقوياء على الجهاد بما يقع على الضعفاء من ظلم الكافرين، فالمؤمن القوي يغار أن يرى مؤمنًا مستضعفًا، والمؤمن الغني يغار أن يرى مؤمنًا فقيرًا، فيكون هذا سببًا لفعل إيماني يزيل به فقر الفقير واستضعاف الضعيف، وهذا رزق ونصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت