تقدم أن القوة غير الارادة، لأن غياب الارادة كسل وهو غياب لاسم الايمان الممدوح، فلا يقال لمن كسلت ارادته عن الطاعات أنه مؤمن ضعيف، بل هذا قد غاب عنه الايمان ووصفه، فلا مدح له، ولا يقصد من هذا غياب أصل الايمان الذي يخرجه عن حد الاسلام إلا إذا ترك ركنًا من أركان الايمان وليس هذا مقصودًا هنا، فالقوة هنا هي غير قوة الباعث من رجاء الدار الآخرة والخوف من العقاب، بل القوة هنا هي سلامة الأعضاء وما يعنيها، ومكافأة الفعل والموانع، فالذين خسروا القوة هنا هي قوة الارادة والهمة وحضور الباعث قد غلطوا في تفسير هذا هنا، وإن كانت قوة الباعث والارادة تقوى وتضعف، لكن دخول الارادة في اسم الايمان أولى من دخولها في اسم القوة حين اجتماع اسم القوة والايمان معًا.
ثم إن قوله صلى الله عليه وسلم: (( وفي كل خير ) )يدل على هذا لزومًا، فإن غياب الفعل الايماني لعدم وجود الارادة لا يستحق هذا المدح المعادل بقوله صلى الله عليه وسلم (( وفي كل خير) ،لأن هذه الكلمة العظيمة (( وفي كل خير ) )تطمين وإراحة لمن أراد الخير فعجز عنه لأمر قدري غلبه ولم يقوى على دفعه، أما الذي اتكأ على كرسيه فتدثر بالكسل والبطالة فلا يطمأن ولا يُراح.
فالقوة إذًا أمر ظاهر من قدرة البدن وسلامة الأعضاء، وكذلك امتلاك القوى القدرية المكافئة للفعل الايماني المطلوب والقادرة على دفع الموانع.
ومما ينبغي معرفته أن كل فعل له قوة مناسبة، فالفكر والنظر قوة لأفعال انسانية كثيرة، بل لا وجود لفعل انساني رشيد إلا ومنشؤه من قوة الفكر والنظر، ولا منطلق لفعل مادي نافع إلا وأساسه اعمال الفكر والنظر، وهناك أعمال تحتاج إلى قوى خاصة كالفنون التي يعملها المرء عن طريق التفكر والدربة والخبرة كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث:- (( ألا إن القوة الرمي ) )،وهذا القصر في الحديث إنما هو في بيان أعظم قوة في باب القتال في سبيل الله تعالى، ولا يعني أن غيره ليس من القوة في شيء، لكن هذا كقوله صلى الله عليه وسلم: (( الحج عرفة ) )وكقوله: (( الدين النصيحة ) )وكقوله: (( إنما الربا في النسيئة ) )،وكل ذلك لا يعني نفي غيرها من الأعمال وإنما هو لبيان أهمية الخبر فوق ما سواه.
وقوله صلى الله عليه وسلم:- (( ألا إن القوة الرمي ) )،إذ اجتمع مع قوله صلى الله عليه وسلم:- (( الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة ) )كان في ذلك اجتماع أعظم قوة مع خير آلة في هذا الباب، فإن المسلمين اذا امتلكوا اداة الرمي لاصابة أعدائهم عن بعد، وأداة المناورة إذا وقعت المناوشة كان في ذلك تحقيق الخير العظيم، وأخذ أعدائنا بهاتين القوتين وخاصة قوة الرمي بالطيران والصواريخ هو ما يحقق لهم الغلبة في كثير من المواطن، بل إن سبب تحقيقهم الغلبة في مشاريعهم إنما هي قوة الرمي حين صنفوا البارود، فبه استطاعوا تنفيذ ارادتهم في غيرهم حتى لو كانوا أكثر عدد منهم.
إذا فهم المسلم هذا الأمر وهو أن القوة من الإيمان، وأن الفعل لا يقع إلا بقوة كافية مكافئة استطاع أن يفهم كيفية تحقق الوعود الالهية في القرآن الكريم التي ربطت بالايمان، فالذين يجعلون الإيمان أمرًا باطنيًا معرفيًا، فإن زادوا على ذلك زادوا النية والإرادة لا يمكن لهم أن يصدقوا بهذه الوعود على معنى صحيح، فقوله تعالى:- (( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) )لا يمكن تحققها في هذه الحياة إذا أخرج الناظر فيها معنى القوة من الايمان، خاصة أن النصر هنا هو بمعنى الغلبة والقهر، واجراء ارادتك على ارادة غيرك، وكذلك قوله تعالى (( ولن يجعل الله