لكن هذا الحديث يبين مؤمنًا قويًا ومؤمنًا ضعيفًا، فكلاهما مؤمن، والاختلاف في القوة والضعف، وهو بظاهره يبين أن القوة غير الايمان، والحق أن هذا من باب اجتماع الشيء وبعضه في سياق واحد كاجتماع الايمان والعمل الصالح في سياق واحد كما هو كثير في الكتاب والسنة، وهنا يعمل بالقاعدة المعلومة:- (( إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا ) )،لأن من أساليب العرب ذكر بعض الأجزاء مع الأصل تنبيهًا لأهميتها كما قال تعالى (( ألم تر أن الله يسجد له ما في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب، ومن يهن له فماله من مكرم إن الله يفعل ما يشاء ) )، وهذه المذكورات هي من السموات والأرض وإنما ذكرت للتنويه والأهمية.
فالمؤمن بإرادته وقوله إن غابت عنه قوة الفعل كان أضعف إيمانًا من المؤمن بإرادته وقوله وفعله لما معه من قدرة عليه، ويشهد لهذا كذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، قال:"وما ذاك"،قالوا: يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أفلا أعلمكم شيئًا تدركون من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم؟ قالوا:- بلى يا رسول الله. قال: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين مرة.
قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا:- سمع أخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"
فالضعيف لا يدرك إيمان القوي، حتى لو أدرك الأجر بالنية كما تقدم، فإن بلوغ المرء درجات الأجر يكون لمعاني أخرى غير الفعل ومن ذلك لحوق الذرية بالآباء في الجنة كما قال تعالى (( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء، كل امرئ بما كسب رهين ) )،فالقاعدة أن المرء مرهون بعمله هو لا عمل غيره كائنًا من كان، والقاعدة الثانية أن المرء لا يمكن أن يلحقه نقص بسبب عمل غيره، والقاعدة الثالثة:- أن المرء يدرك درجات الجنة التي لغيره من لاصالحين بسبب آخر غير عمله، وذلك من باب الرحمة الالهية، كل هذه القواعد هي نص هذه الآية العظيمة.
والله يقول:- (( جنت عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب ) )وهذه الأبواب من بلوغ درجات الآخرين بغير قوة ليست مما نحن فيه من بيان الأمور القدرية في هذه الحياة، كمثل الحديث عن حب الصالحين كما في الحديث:- (( الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- الرجل مع من أحب ) )فكل هذه معاني أخروية لا ندرك تأويلها (أي واقعها) يوم القيامة، واعمال قواعد الحياة الدنيا عليها خطأ، وهذا ما أدى لابن حزم رحمه الله تعالى للقول:- إن خير الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم هن أزواجه، ذلك لأن أزواجه معه في الجنة، أي لهن درجته من غير نبوة، وكل هذا غلط سببه قياس الغائب على الشاهد، وقياس الآخرة على الدنيا.
ما معنى القوة؟