الأحكام الشرعية معلقة على الأسماء، فأي فساد يلحق في مفهوم الاسم سيلحق في الحكم بعد ذلك، فكلمة (( مؤمن ) )لها من الأحكام الكثيرة، بل عامة أحكام الشرط منوطه بوجود الايمان أو ذهاب بعضه أو كله، ولذلك كان الفساد عظيمًا حين وقع الفساد في اسم الايمان.
اذًا الفعل وفن طاعة الله تعالى هو الايمان، والفعل إنما يقع بإرادة وقوة، والارادة فعل القلب والقوة هي فعل البدن وما معه من أدوات يستعين بها، فلابدّ من سلامة الأعضاء وكفايتها للفعل فإن لم تكن الكفاية واستعانت بما سخر لها من خلق حصل الفعل وإلا تعطل ولو وجدت الارادة.
هناك شرط آخر لوقوع الفعل (الايمان) وهو عدم وجود المانع المكافئ للقوة أو الزائد عليها، فإن وجد المانع المكافئ أو الزائد لم يحصل الفعل، ولذلك لابدّ من وجود القوة الكافية للفعل.
غياب الارادة يعني الكسل، وغياب الأداة (القوة) يعني العجز، وكلاهما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله منهما فيقول: اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل.
وغياب الارادة له أسباب متعددة منها الجهل (بشقيه؛ أولاهما غياب العلم وثانيهما غياب الدافع وكلاهما يسمى جهل في دين الله تعالى) ، وأغلب أسباب غياب ارادة الأفعال الايمانية المتعدية في الوجود إنما يكون بسبب الجبن والبخل، وقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما كما كان يستعيذ بالله من العجز والكسل.
هل القوة من الايمان أم أمر زائد عليه؟
تبين من الشرح السابق أن الايمان فعل، وقد يتخلف الفعل الايماني بسبب العجز، وهذا يدل على أن القوة هي جزء من أجزاء الايمان وليست زائدًا عليه، ويشهد لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلن وصف النساء بقلة الدين، والدين هو الايمان، وفسر هذا الأمر بقوله (( يدعن الصلاة والصيام ) )،مع أن سبب ترك الصلاة والصيام هو وجود مانع لا إرادة لهن فيه، وهذا المانع هو عدم الطهارة الحكمية بسبب الحيض والنفاس، فكان وجود المانع وهو أمر قدري سبب لتخلف الفعل الايماني الذي جعل الوصف النبوي له:- نقص الايمان والدين.
فغياب الفعل سواءً كان بسبب عجز أو كسل، يؤدي إلى غياب الايمان فعلًا وهو نقص في الانسان وطاعته، وهذا ليس حديثًا عن الأجور، فإن المرء يبلغ بنيته الصالحة درجة الفاعل إن تمنى مثله لأحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك (( إن في المدينة رجالًا، ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا شركوكم في الأجر، منعهم العذر ) )لكن هذا لا يعني أبدًا أن النية الصالحة التي تحقق الأجر كافية في تحقيق الفعل الوجودي، وغيابه نقص بوجه من الوجوه، ولذلك وصف الله بعض أنبيائه بقوله (( وابراهيم واسحق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار ) )وقوله عن داود (( ذا الأيد إنه أواب ) )ذلك إن بعض الأنبياء لم يكونوا كذلك كما قال قوم شعيب لشعيب عليه السلا (( إنا لنراك فينا ضعيفًا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز ) )،ولذلك أكمل الأنبياء في هذا هو النبي صلى الله عليه وسلم إذ بلغ سلطانه ودينه أكثر مما بلغ أي نبي آخر، عليهم جميعًا صلوات ربي وسلامه.