الصفحة 10 من 23

كما أن وجود التنوع سبب للفعل، فلولا وجود الفقير لم تكن الصدقة، والصدقة سبب رزق للغني وللفقير معًا، فللغني على قاعدة القرآن (( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) )وقاعدة (( ولئن شكرتم لأزيدنكم ) )، وللفقير فإن الصدقة تغنيه وتدفع فقره، وكذلك المستضعف يكون سببًا للجهاد الذي يتحقق به النصر ويدفع به الاستضعاف عن المسلمين، وأهل النظر في الوجود والسنن يقولون إن الجمال لا يكون إلا بالتنوع، ولا يكون الكمال إلا بوجود الشيء وضده، فلولا الفقير لا تكون الصدقة، والصدقة عمل جمالي يتحقق به الكمال الإنساني، ولولا الاستضعاف لم تكن المدافعة، وبالمدافعة يتحقق جمال الوجود وكمال الإنسان، ولذلك كان هذا التنوع والتضاد سببًا من أسباب الوجود كله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولأتى بأقوام يذنبون فيستغفرون فيغفر الله لهم )) .

فالقوة إذًا أساس الوجود، فيها يحصل التغيير، فإن كانت للحق كان تغيرًا إلى الصلاح، وإن كانت للباطل كانت تغيرًا للفساد، وأما عالم الوجود فلا يعترف بالنوايا ولا الإرادات ولا المعارق الذهنية البحتة، فهذه كلها تحتاج إلى أرجل وأدوات وقوة لتحقق وجودها في عالم الشهادة، ولذلك فإن قوله تعالى (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) )إنما معناه أن يغيروا قواهم واتجاهها، فلابدّ من تغير عالم الوعي والنظر، لأن العقائد الباطلة والأفكار الفاسدة سبب لتغير الناس من العزة إلى الذلة، ومن الكفاية إلى الضياع والذهاب، وكذلك لابدّ من تغير القوة حتى تعادل الوجود المتغير، فحين نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مقاتلة أقوام غير العرب وقال: (( تقاتلون قومًا صفر الوجوه ) )إنما هو تنبيه لوجوب اعداد القوة المكافئة لقتال هؤلاء، وهو قتال يختلف عن قتال العرب بعضهم لبعض، وأما الذين يقصدون قوله تعالى (( ما بأنفسهم ) )على النيات والمعارف الذهنية العلمية فقط فهؤلاء لهم علام آخر غير عالم الشهادة هذا، والعجيب أن الناس؛ مسلمهم وكافرهم، يقولون بأن المرء لا يتغير ما به من فقر إلى غنى ومن جوع إلى شبع إلا بعد أن يغير فكره ووجهته، وبعد أن يسلك سبل السنن العلمية بعد ذلك في ذلك. ولكن هذا النوع من مشايخ العصر وزاعمي الفكر والنظر، والمتصورين لباب اصلاح عالم الاسلام والمسلمين لا يطبقون هذه المبادئ الفطرية هنا، وسبب هذا غلبة دين الصوفية والارجاء والجبر على عقول المسلمين

القوة عرض:-

والعرض في لغة المتكلمين هو ما أمكن تحوله أو زواله، والقوة كذلك، فهي ملكة تكتسب، وكل ما كان مكتسبًا بالارادة يمكن زواله كذلك، وكما أن الايمان يزيد وينقص، والقوة جزء من أجزاء الايمان فهي تزيد وتنقص، وهي في زيادتها ونقصانها قد تكون في مقابل شيء ثابت أو مقابل شيء متغير نسبي، فالقوة للصلاة في الأغلب وفي الظروف العادية تكون شيئًا ثابتًا، وكذلك الصيام، لكن إن كانت مقابل شيء متغير فإنها تكون نسبية كذلك، فما كانت قوة مكافئة للفعل في زمن ما قد تكون لا تصبح مكافئة في زمن آخر، وذلك لتغير قوة المقابل، وبهذا يكون الابتلاء الرباني للأمة المكلفة بالعزّة، لأن العزة كما تقدم تكليف، واستعلاء الايمان عمل ايماني واجب على المؤمن عليه أن يسعى لتحصيله وتحصيل أسبابه وإن قصر كان آثمًا.

وإذا كانت القوة عرض، والعرض تقع عليه عوامل الزمن فإن تحول هذا العرض إلى مرض إنما يكون بسبب تراكم الكسل والإهمال خلال عامل الزمن، ولذلك فإن العجز الذي يصيب الأمم قد يكون طارئًا لظرف داهم، كأن تكلف الأمة بالعزة والاستعلاء وهي ضعيفة في ظرفها من حصول هذا، فهذا عجز داهم، وهذا كان شأن الصحابة في مكة المكرمة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت