الصفحة 11 من 23

وقد سعوا زمانًا حتى زال هذا الهجز عن طريق الارادة والفعل في التجاه الصحيح لتحصيل القوة، وكان من أقدار هذا الوضع غياب العلم الفاسد والانحراف الفكري لوجود الهدي الصافي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يكن من معوق ذاتي إلا غياب القوة ووجود المانع من قريش والأعداء.

ولكن قد يكون العجز سببه كسل عن حاية مكاسب القوة في البناء الحضاري القائم، أو طروء مذاهب باطلة تدمر ارادة الاندفاع في مكافئة المقابل المطلوب، وهذا ما وقعت فيه هذه الأمة، إذ كان لها من البناء الحضاري الشامخ، وكان لها من القوة التي تدفع الأغيار عن الاقتراب من مستوياتها أو قريبًا منها، فحيث كانت الأولى لم يكن هناك من يستحق أن يسمى ثانيًا، لكن وقع الكسل والترف والارتداد نحو الداخل والصراع فيه، ثم غزت المذاهب الباطلة القيادات العلمية الحامية لإطار الأمة وبنيانها، فصار الكسل عجزًا، حيث غابت القوة، ووقع أمر آخر أخطر من غياب القوة وهو غياب العلم السنني الصحيح الموافق للحق الواقع، وهو أكبر مانع في حصول الانطلاق الثاني نحو دفع العجز الحاصل بعد ذلك.

لقد وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم حال الأمة في الغربة الثانية وقال:- (( غثاء كغثاء السيل ) )، فإن كانت الغربة الأولى تعاني قلة الأتباع، وهو سبب من أسباب العزة، فحيث كثر الأتباع حصلت بهم القوة، لكن الغربة الثانية ليست منوطة بالقلة أبدًا، إنما هي منوطة بأمر آخر، وهو غياب فاعلية هذه الأعداد، وهذا دليل أن الكثرة ليست قوة في ذاتها إلا على معنى معين.

فهذه الكثرة (( غثاء ) )، والغثاء صفته غياب الارادة والتأثير، بل هو متأثر قابل، تحركه الأمواج التي تسير تحته، وهو مجرد قش رخيص خفيف طاف، أي زبد ذاهب.

ما الذي ينقص الأعداد لتحقيق الفاعلية؟

إن أسباب ذهاب القوة هو الكسل المتركم الذي تحول عجزًا، وطروء مذاهب الانحراف التي تكفي دور الارادة البشرية في بناء هذه الدنيا، ولإعادة بناء الفاعلية الأمة لابدّ من علم باعث للارادة لتحصيل القوة، مع علم ويقين على صدق الوعود بأن الغربة زائلة، وكون المسلم يعيش في هذه الدنيا تحت قاعدة (( وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الانس والجن ) )وقوله (( وكذلك جعلن لكل نبي عدوًا من المجرمين ) )فإن هذا البناء لا يكون إلا ضمن الصراع مع الآخر، وهو صراع وجودي، لا يكون أحدهما قاهرًا باهرًا إلا بإزالة الآخر عن القيادة والتأثير والقهر.

فالفاعلية ليست مشاركة للآخر في البناء، ولا تفعيل وجودك ضمن سلطان الآخر وحضارته كما يريدها بعض النوكى، وهذا إن قبل من بعض مذاهب البشر الضالة التي لا تملك وعودًا ربانية تؤمن بها فإن هذا في الاسلام غير مقبول وضلال، ولا يمكن انجامه مع الاسلام إلا بتزوير سمة الاسلام والغاء استعلائه وعزته، فإن وقع هذا لم يكن اسلامًا قط.

إنما الفاعلية التي ينشدها الاسلام لأهله هي فاعلية العزة والاستعلاء والتميز، وهذه لا تبنى إلا من خلال علم سليم يوافق الحق، والعم هو احدى مكونات الارادة، كما أن قوة الباعث هي المكون الآخر لها، ولابدّ كذلك من قوة تنمو بطريقة سننية، يكون كل عدد فيها ولو قليل خروج عن سلطان الآخر ومنازع له، ولذلك كان سمة الأنبياء في بناء أفرادهم على هذا المعنى هو حصول الهجرة، وهي في معناها العام تعني التميز والبناء بعيدًا عن سلطان الآخر، وهذا إن كان ممنوع الحصول في ظروف فيمكن تحققه من خلال فعل موسى وهارون عليهما السلام مع قومهما في مصر تحت سلطان فرعون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت