الصفحة 12 من 23

القاهر كما قال تعالى عنهما: وأحينا إلى موسى وأخيه أن تبوأى لقومكما بمصر بيوتًا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين )) وهذه دعوة ربانية إلى البناء الخاص الرافض لبناء فرعون وجنوده، والتي سيكون من خلالها الصراع حتى يحكم الله بحكم كما في قوله (( وبشر المؤمنين ) ).

هذا الغثاء يحتاج إلى ادراك واقعة أولًا؛ أي أنه ألعوبة بيد الآخر، فهو ما دام في مجرى النهر الجاهلي يتحرك في أطره وبين شطيه فهو مجرد غثاء لا قيمة له، وهذا هو واقع الأحزاب السياسية الاسلامية، وهو واقع المؤسسات الاجتماعية الاسلامية التي تعمل ضمن خطو الجاهلية، ومن غير ادراك المريض لمرضه فإنه لن يخرج من غثائيته قط، بل سيعطيه الماء الفاعل صورة الجلوس فوقه؛ أي إن له شأنًا، والأمر ليس كذلك.

يجب على هؤلاء أن يخرجوا من هذا الضعف الجاهل، وهو ضعف مرضي محبوب عندهم، وهو أشبه بشهوة حكاك صاحب الجرب، اذ يتمتع بهرش جسده المريض، أو أشبه بخيالات متعاطي الحشيش والمخدرات، وقد استمرأ هؤلاء هذا الضعف المرضي وهو في ظنهم سيوصلهم للمراد، بل إن بعضهم يظن أنه قد حصل المراد والمطلوب بجلوسه فوق الماء الفاعل، لأن الناس اليوم تحكمهم الصور وهي ميزان عقولهم وأحكامهم.

على هذا الغثاء أن يخرج من التيار الجاهلي الفاعل ليبني قوته خارج اطاره، ومن خلال مسيرة الصراع، لا كما يظن بعض الحالمين من امكانية البناء وراء سور يأجوج ومأجوج المتخيل تحت الأرض ليخرجوا جيوشًا جاهزة تحقق الضربة السريعة في القضاء على الجاهلية، فهذه أحلام قوم قد اتخمت أمعاؤهم طعامًا ثم استلقوا نيامًا في عين الشمس فرأوا أنهار ماء يتقلبون فيها، وما هي إلا أحلام متخمين.

ما فائدة فصل الإيمان عن القوة في هذا الحديث؟

تقدم أن القوة إيمان، وهي جزء منه، لكن هذا الفصل في هذا الحديث بين القوة والإيمان هو للتنبيه والتنويه كما تقدم لأمر المعطوف، وهو القوة، وقد تعمقت في التاريخ الاسلامي مبادئ باطلة في النزوع نحو الضعف، حتى صار الضعيف يمدح ما لا يمدح القوي، والناظر على سمات من يقال لهم بالأولياء والصالحين والزهاد في التاريخ التالي للعصور الأولى غلبة سمة (( الضعف ) )، وهي سمة تبنى من هؤلاء من خلال الارادة، أي الكسل والبطالة وترك ما حض عليه الحديث في الكلمة التالية:- (( احرص على ما ينفعك ) )؛ وسبب انتشار هذه السمة هو الفهم المغلوط للتقوى والصلاح والعبادة، كما خدم هذه الظاهرة اقتران الفجور بالقوة في المجتمعات، اذ صار الأقوياء فيهم بعد عن شرط الخيرية الأولى وهو الايمان والصلاح الذاتي، فعمت فيهم مظاهر الفجور والغلبة بالباطل، والحيل الذهنية لخدمة دنياهم، وهذا فقه للإيمان، ولا علاقة له ولا ارتباط بينه وبين القوة، بل إن القوة الحقيقية هي في ملك شرق النفس من انطلاقها مع القدرة على ذلك كقوله صلى الله عليه وسلم: ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.

ثمّ إن هذا الحديث في نصه كلام على الواقع المسلم المتحد والمتنوع، أي أنه في خطابه الأول متوجه إلى مجتمع مسلم متعدد المستويات في القوة والضعف، فالخيرية متوجهة للقوي لا للضعيف، ولليد العليا لا لليد السفلى، وهو دعوة لهذا المجتمع أن يكون الأقوياء فيه هم الأكثرون، وأن ينزع الضعفاء إلى تحصيل القوة تحت مظلة السبق إلى محبة الله ورضوانه، لا من أجل العلو بالباطل والتفاخر بالدنيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت