لكن كذلك فيه احترام الضعفاء وتقديرهم وذلك في قوله (( وفي كل خير ) )، لأن تصاعد تعظيم الأقوياء في اتجاه مرضي يؤدي إلى اختقار الضعفاء واقصاؤهم، وقد وجد في بعض الحضارات الانسانية من شط في هذا الجانب حتى كان الطفل الضعيف حين يولد يرمى من أعلى الجبل للتخلص منه وقتله، وقد ورثت بعض المجتمعات هذه العقيدة حتى تجد عندهم الاستهزاء بأصحاب البلاء من العميان والعرجى، وذلك بخلاف البيئة الاسلامية التي تأنف أن تسمي الأعور بهذا بل تقول عن عينه:"عين كريمة"ويقصدون ما أكرم الله صاحبها وأكرمها بالابتلاء، وبذلك لابدّ من التفريق بين العجز القدري الغالب وبين العجز الذي ينشأ من الكسل والبطالة، كما يفرق بين العجز الذي يمكن دفعه والعجز الذي لا يمكن دفعه.
تاقوة والهجز والكسل كلها أقدار:-
وذلك للحديث (( كل شيء بقدر حتى العجز والكسل ) )، وفي اعتقاد المسلمين المتابعين للنبي صلى الله عليه وسلم أن القدر ليس شيئاُ سائقًا قاهرًا، بل هو علم الله السابق لما سيكون، فالحديث لا يبرر العجز والكسل، ولا يجعلهما قدرًا سائقًا لا قدرة للمرء على دفعهما بالارادة والقوة، بل هما كما شأن كل الحياة وأقدارها، كالغنى والفقر والعزة والذلة، فهذه كلها عوارض تنشأ بمشيئة الانسان وارادته، وهي مشيئة لا تكون إلا بمشيئة الله، ولا يجوز لأحد أن يحتج بالقدر على عجزه وكسله، ولا على معصيته، والاحتجاج بالقدر هو فعل أهل الضلال كما قال تعالى (( وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قالوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين ) )فهؤلاء المجرمون احتجوا بالقدر على ترك الصدقة، مع أنهم يدفعون عن أنفسهم أقدار المرض والفقر بما استطاعوا من قوة، لكن لما كان أمر الصدقة خلاف ما يحبون فرفضوه بهذه الحجة الشيطانية.
الاستسلام للأقدار التي لا يحبها الله تعالى للمرء معصية، لأن في ذلك ترك للسبب الذي أمر الله بسلوكه لتحقيق الفعل المطلوب، فالذلة والهوان لا يقبلهما الله للمؤمنين كما في قوله (( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا ) )ولقوله تعالى (( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) )وقوله (( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) )وغيرها من الآيات القرآنية، فمن عرض له قدر الذلة والهوان فلم يدفعه بما قدّر الله من أسباب الدفع كان آثمًا، وكذلك أمر العجز والكسل، فهي أقدار يجب على المرء أن يدفعها استطاعته وإلا كان آثمًا، ويكون حاله حال محتاج الماء وهو قادر على تحصيلها فيجلس حتى يقتله العطش أو يذهب عنه قوته، فهذا لا شك في جهله وضلاله ومعصيته.
(( احرص على ما ينفعك ) )
هذه قاعدة نبوية شريفة، وفيها فوتان؛ قوة الاندفاع نحو المصلحة، وقوة عدم الانتباه إلى معوقات هذا الاندفاع، ولذلك ترجم الشافعي رحمه الله هذا الحديث ببعض صوره فقال:- (( ادراك الناس غاية لا تدرك فعليك بما ينفعك فالزمه ) )، ذلك بأن الاهتمام بقول الناس وتعليقاتهم وما يقولون سبب غالب في البشر لمنعهم من تحقيق منافعهم ومصالحهم، فإن البحث والدراسة في شؤون أمر من الأمور ستوصلان إلى تحقيق النفع الأكثر والمصلحة الأغلب، وقوله صلى الله عليه وسلم (( احرص ) )جعوة إلى صرف الارادة نحو المنافع والمصالح دون أعمال اللهو والبطالة، ودون لغو الأعمال التي لا نفع ولا ضرر منها، وفي اللفظ كذلك دعوة إلى الحرص على الوقت وعدن صرفه إلا فيما فيه منفعة دينية أو دنيوية.