الصفحة 14 من 23

فبهذا يُجمع في المرء المؤمن أمران؛ القوة والارادة العالمة الجازمة، ويجمع فيه الايمان وهو دافع الطاعات وارضاء الله وادراك ما ينفع المرء وتمييزه عما يضره، فيتحقق الفعل المادي والنّية الصالحة، وبين مصالح الدنيا ومصالح الآخرة، فيكون المرء فاعلًا عدلًا قائمًا في هذا الدنيا على وجه الأمر الالهي والسنني كما قال تعالى (( وضرب الله مثلًا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر لا شيء وهو كل على مولاه هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ) )لأن هناك الكثير ممن يأمر بالعدل والدين والعبادة لكنه عاجز ضعيف فلا يتحقق بأمر كل الخير، أو يأمر بالعدل على غير طريق سنني صحيح كما هو شأن الأمرين به في أحزاب سياسية في أنظمة جاهلية لا يتحقق بها العدل، وإن تحقق كان مرده قوة للجاهلية لا لأهل الحق، والطريق النبوي الصحيح أن يقوم المصلح بالأمر بالعدل ويسلك في نفسه وفي دعوته السبيل السنني لايقاع العدل الذي يحبه الله تعالى للمؤمنين.

فالحرص بحث وفكر وارادة وعزيمة صادقة، واندفاع بلا تلكؤ، ومسير دون ابطاء نحو الهدف، ومن غير التفات على جوانب الطريق.

كما أن فيه الأمر بالعناية والاحتفاظ لما جنيت من المنافع، لأن من الجهل والضعف أن تجني الكثير ثم تذهب به في وديان الهلكة التي لا تنفع، أو تتركه للضياع والذهاب.

هذه القاعدة النبوية الشريفة هي أساس عمل المبدعين والمجتهدين والمنتجين في التاريخ الانساني كله، اذ لو تفكرت في صفات أولئك الناس الذين أحدثوا آثارًا في الوجود الانساني، لوجدت قاسمًا مشتركًا، وهو قصر النفس على الجد وترك اللهو الكسل والبطالة، ووضع الهمة في باب من أبواب العلم والعمل دون التفات للمعوقات التي تحيط بهم، إذ تجد اختلاطهم في لهو الناس ولغو حياتهم يكاد يكون معدومًا، فليس لهم إلا قصر حياتهم على تحصيل النفع لأنفسهم.

هذا الشعار النبوي ترجم عمليًا بواقع نبوي عظيم، وترجم عمليًا بواقع الصحابة ومن ورث طريقتهم من العلماء والعباد والمجاهدين والأمراء، ولتفصيل واقع النفع الحقيقي على وجه صحيح لابدّ من قراءة واقع الحياة النبوية والأصحاب حتى يفهم المسلم ما هو أعظم ما يجب الحرص عليه في هذه الحياة.

حرص المرء المؤمن على ما ينفعه يوجب عليه أن يعلم مراتب الأعمال الشرعية من قول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، فإن الوقت لا يتسع للكثير من الأعمال، فالعاقل من يسلك سبيل الأعمال التي فيها الأجر والأثر أكثر من غيرها، وهذا في كثير من الأبواب، فالأبواب الدينية لا يعرف إلا من جهة المعصوم، وأما ما كان من أمور دنيوية فإنما يعلم بالفكر والتجربة والمراقبة، وبهذا يكون الحريص جامعًا للعلم الموروث والنظر والفكر فيما يقع في الحياة.

ثم إن في هذا الهدي النبوي دفعًا لمعالي الأمور في هذه الحياة، بل وكذلك في الآخرة لقوله صلى الله عليه وسلم: (( إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى ) )،وهذا في قوله تعالى (( وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ) ).

بالجملة فهذه الموعظة تدخل في كل أبواب الحياة العلمية والعملية، وتدخل في صحبة الأخوان وتمييز الصالحين والعلماء والأتقياء عن غيرهم، وتدخل في بواب صحة البدن والعافية، وفي النظر والقول والعمل، فما من لحظة من لحظات المؤمن إلا وهو محتاج أن يحرص فيها على ما ينفعه، وما من عمل إلا وهو محتاج إلى التفكر فيه على وجه يحقق له المنفعة القصوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت