الصفحة 15 من 23

لكن هذا الهدي لا يصلح دليلًا لأهل الحرص على الدنيا الذين يمنعون الخير عن الناس، ولا الذين يصرفون أوقاتهم في سبيلها دون اعتناء بأمر الآخرة، ومن تفكر في أمر الآخرة وأمر الدنيا علم أن أعقل الناس هم المنفقون والزهاد، والعباد والعلماء فإن هؤلاء هم من صرفوا أوقاتهم في خير الأعمال وأزكاها وأكثرها أثرًا وأجرًا، ولذلك ففي صحيح مسلم عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:- يهرم ابن آدم وتشب فيه اثنتان الحرص على المال والحرص على العمر )) وهذا حرص غير ممدوح، فعند أبي داود عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:- شر ما في الرجل شح هالع، وجبن خالع )) ، فالحرص على المال يؤدي للشح، والحرص على العمر يؤدي للجبن، ولذلك قالوا:- (( شدة الحرص من سبل المتالف ) )فهذا حرص مذموم لا يمدح صاحبه وليس هو المقصود بالهدي النبوي، بل عد الحسن البصري الحرص على الدنيا أصل من أصول الشر فقال:- أصول الشر ثلاثة: الحرص والحسد والكبر، فالكبر منع ابليس من السجود لآدم، والحرص أخرج آدم من الجنة، والحسد حمل آدم على قتل أخيه.

(( استعن بالله ولا تعجز ) )

كان شرط الفعل أولًا حصول القوة، إذ بغير قوة لا كون الفعل في عالم السنن الأرضية، ثم بالعلم في المطلوب والتنقيب عن الأصلح والأنفع، وهذا يوجب العلم بمسالك الحياة وسبلها وسننها، ثم جاء الأمر النبوي بتنشيط هذه الارادة ودفعها للاندفاع بقوة نحو الهدف بعد ذلك في قوله (( واستعن بالله ولا تعجز ) )،وهاتان نصيحتان جليلتان هما:- الاستعانة بالله، وهي لا تكون للقاعد ولا للكسول، ولا لتارك سبيل الفعل، بل إنما تكون الاستعانة بالله للمرء الذي هو على جادة الفعل، فالمرء وهو ساع إلى طلب الرزق جهده يسأل الله تعالى أن ييسر له أمره، فهذا موسى عليه السلام يسأل الله وهو في الفعل قائلًا ربنا عنه (( فلما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهدين سواء السبيل ) )فقد سأل الله هداية السبيل بعد أن توجه ومشى، وهو كذلك فعل المؤمنين مع طالوت كما قال تعالى (( ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ) )، فهؤلاء المؤمنون نصبوا أقدامهم ووقفوا في الصف تجاه أعدائهم، ثم وهم على هذه الحال سألوا الله تعالى الثبات والنصر، ولذلك من التعدي في الدعاء والجهل بسنن الله في الخلق أن يسأل المرء ربه وهو قاعد، أو سالك غير السبيل الموصل لطلبه، كما هو شأن عامة المسلمين اليوم، اذا تراهم في المساجد والجمعات والمواقف يلحون في الدعاء بالنصر وهزيمة الأعداء، وهم في حياتهم لا يعملون لهذا، لا خطيبهم ولا مستمعهم، بل تراهم على الضد من السبل الموسلة للنصر وهزيمة الأعداء، وكذا سؤالهم الله تعالى الإمام العادل، فإن أغلبهم وأكثرهم لا يعمل لهذا الباب ولا لوجوده، وهذا كله تعد في الدعاء، ثم يكون القبح والجهل السؤال بعد ذلك:- لماذا لم يستجب الله دعاءنا؟، وهم بهذا يتهمون الرب لا لأنفسهم، والله عز وجل (( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) )، فلابدّ من الاستجابة لله في أمره قبل أن يستجيب الله طلبك.

وقوله: (( استعن بالله ) )، أي انهض وتحرك وقم، وحرك قدميك إلى هدفك.

وأما الأمر الآخر فهو قوله: (( ولا تعجز ) )ذلك لأن أكثر الناس لعدم فهمهم لهذه الحياة وجهلهم بسنن الواقع يتركون الفعل للكسل في واقع الأمر، ولكنهم لابعاد شبهة التهمة عن ارادتهم وقلوبهم فإنهم يذهبون إلى اتهام الواقع فيتركون الفعل ويزعمون أن سبب الترك هو العجز، والحق أن تركهم للفعل سببه الكسل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت