وقد تقدم أن العجز غياب القوة، وقد توجد الارادة وقد تغيب، لكن الكسل جزمًا هو غياب الارادة، كما علم أن عجز اليوم منشؤه في الأمم هو كسل الأمس، فحيث غابت الارادة أولًا، وتراكم هذا الكسل والبطالة فورث الأبناء هذا الكسل عجزًا مرهقًا وضعفًا وغياب قوة.
ففي الحديث دفع للمرء أن يقوم إلى الفعل، وهو في كل أحواله يملك القوة لبدايته، والبدايات تحتاج إلى قوة أقل من الأثناء والانتهاء، فمن طلب من الطفل أن يدرس الطب يكون جاهلًا غيبًا، لكن لو قيل لجاهل كذلك هذا الطفل هو طبيب لما صدق، لأنه لا يرى في هذه الكلمات الأولى التي يُعلمها الآباء لأبنائهم من الحروف الأولى هي اللبنات الأولى حتى يكون هذا الطفل طبيبًا.
ولذلك فإن قوله صلى الله عليه وسلم: (( احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز ) )هي في واقعها طريق لتحصيل القوة ودخول طبقة الأحب إلى الله تعالى والخيرية، ذلك بأن الضعيف العاجز مهما كان ضعيفًا فإن عليه أن يبصر هدفه ويحدده، وعليه أن لا يلتفت للمعوقات، ثم عليه أن يصع قدمه في أول الطريق مستعينًا بالله تعالى جون تثبيط أنه عاجز غير قوي على تحصيل هذا الأمر العظيم.
هكذا في هذا الحديث ارشاد نبوي لا يوجد في أي دين من الأديان مثيلًا له، بل إن كل مذاهب القوة في التاريخ كالزواد شتيتة وغيرها من المذاهب الداعية إلى صنع الانسان الخارق كما يسمونه لا يمكن أن تصل إلى دفع الانسان الضعيف إلى معالي الأمور وأعلاها بمثل ما يحقق هذا الحديث العظيم.
قوله (( لا تعجز ) )ابعاد لقيمة القوة الكبيرة في البدايات، فالحديث في البداية يتكلم عن (( المؤمن القوي ) )،ولكنه يقول كذلك أن هذا الضعيف قادر أن يبلغ إلى مراده وذلك بشرط واحد أن يضع قدمه في البدايات، فإن حصل هذا فإن القوة عرض وصناعة وقدر مكتسب، ولذلك هي ستأتي من خلال سعيك وفعلك وإرادتك.
(( لا تعجز ) )دفع لشرط القوة التي يشترطها الجهلة والأغبياء في البدايات، اذ أنهم لكسلهم وجهلهم وبطالتهم لا يشرعون في فعل من الأفعال حتى يستكملوا القوة اللازمة في النهايات، أو ما يجمع من قوة خلال مسرة الطريق كلها، وهذا لا يصلح لكل أحد بل لا يصلح للأغلب.
إن من كان وارثًا لكسل طويل صار عجزًا، ويقابله غيره الذي هو عدوه سالكًا للفعال حتى بلغ تمام بنائه، لا يجوز له أن يشترط قوة هذا المقابل حتى ينافسه ويدافعه، ولو اشترط هذا الشرط لكان أجهل الناس وأبعد الناس عن الهدي السنني الرشيد، ولو تفكر هو في بناء هذا المقابل كيف صار لعلم أن عامل الزمن شرط لتحصيل هذا البناء.
يقول لك الحديث:- (( احرص على ما ينفعك ) )أي اطلب ما تريد من المصالح والمراتب، وإياك أن تطلب الدنايا من الأمور، بل طلب أعلاها، ثم إياك أن تلتفت لعجزك وضعفك، بل انظر إلى ما معك من قوة مهما كانت يسيرة، فضع على هذه القوة اليسرة القليلة الدعاء واطلب المعونة واسلك بها سب الوصول لما طلبت من هذه المعالي.
بقي خوف آخر يعوق هذه الارادة أن تنطلق في مثل هذه الظروف، وهو معوق يصيب حتى أصحاب القوى الكبيرة ألا وهو الخوف من العواقب فجاء قوله صلى الله عليه وسلم:-