الصفحة 17 من 23

(( وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن: قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح باب الشيطان ) )

فهذه تجربة مضت، تعلمت منها، واقتبست منها معرفة وتجربة وخبرة، فلا تقف عندها تبكي عليها وتولول، بل امض إلى غيرها بنفس البناء النفسي من الاندفاع الذي كان في الأولى، مع مزيد علم وخبرة وتجربة.

وهذا الحديث ليس فيه قط النهي عن مناقشة التجارب السابقة والنظر في أسباب اخفاقها وضعفها، بل هو نهي عن الرجم بالغيب في أمور لم تقع كيف ستكون لو وقعت، ذلك لأن كل فعل له ظرف يحيط به، والظرف قد يكون من فعلك وصناعتك وقد يكون من فعل غيرك وصناعته وهو الأغلب، والفعل الانساني لا يكون أبدًا في فضاء خال من الأغبار والأقدار، ومثال ذلك سائق السيارة، فإنه مهما كان متقنًا في سياقته لا يمنع هذا الاتقان حصول قدر الحوادث عليه بأفعال غيره من أثحاب المراكب الأخرى، فالتاجر مهما كان ذكيًا متقنًا قد ينتهي إلى الافلاس بفعل غيره مما يقع في عالم الاقتصاد، بل وعالم السياسة التي ترتد على أموال الناس بالتنمية أو الهلكة، ولذلك اخفاق المرء بسبب ظرف لم يتوقعه أو عارض مفاجئ لا يعني أنه قصر في الفعل، بل ربما لو سلك طريقًا آخر غير ما أتاه مما أدى إلى اصابته سيصاحبه قدر آخر يؤدي إلى نفس النتيجة من المصيبة.

(( قدر الله وما شاء فعل ) )إنما تجري على قاعدة الشرع المعلومة في الدين، وهو أن المسيء يعاقب ولا يُسقط عنه العقاب بحجة القدر، وأنّ سالك طريق الخسارة سيخسر، ولا يجوز له أن يحتج بالقدر على خسارته، لكن هذه القاعدة (( قدر الله وما شاء فعل ) )تعمل في أمور جاء بها الشرع منها:-

-ما لا يمكن للمرء دفعه من أقدار تغلبه فوق طاقته، فقد احتج بالقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما نام هو وأصحابه عن صلاة الفجر في الغزو، وهذا بعد أن أعمل الأمور السننية المطلوبة، فقد عين بلال رضي الله عنه ليحرسهم ويوقظهم لصلاة الفجر، فلما نام بلال فلم يستيقظوا إلا بحر الشمس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- إن الله قبض أرواحكم حين شاء، وردها عليكم حين شاء )) ، فقد أراح الرسول صلى الله عليه وسلم قلوب أصحابه بهذا الحق حتى لا يقع العتاب أو التلاءم بينهم في هذا، فمن سدّد وقارب وسعى سعيه لتحقيق الفعل ثم فاته لأمر قهره لم يستطع له دفعًا فهذا يقال له: (( قدر الله وما شاء فعل ) )على وجه رفع الملامة عنه من قبل الناس ومن قبل نفسه على نفسه، هذا مع أن كلمة (( قدر الله وما شاء فعل ) )هي حق في عمومها، فإن كل شيء بقدر، ولا يكون إلا ما شاء الله سواء كان مما يحب الله أو مما يكره، ولكن أن تقال هذه الكلمة على وجه الاعذار فإن لذلك بعض الوجوه لا كلها.

-وهي تقال على هذا المعنى- أي رفع الملام واعذار المخطئ- في الآثار المترتبة على الفعل، فإن المرء مسؤول عن الفعل المباشر له، وقد يقع بهذا الفعل آثار كونية لا ترتبط بالفعل من جهة الشرع، وليست هي كذلك من لوازم آثار هذا الفعل قدرًا، بل وقعت في بيئة ساعدت على هذه الآثار فحينها لا يلام المرء ولا يثرب عليه، بل يرفع عنه الملام في ذلك ويشهد لهذاحديث احتجاج آدم وموسى عليهما السلام، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:- احتج آدم وموسى، فقال له موسى: يا آدم، أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، قال له آجم:- يا موسى، اصطفاك الله بكلامه، وخط لك بيده، أتلومني على أمر قدّر الله عليّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ فحج آدم موسى )) .

-... والذي عليه أكثر أهل العلم في تفسير هذا الحديث ومنهم ابن حزم وابن تيمية وغيرهما أن الخصومة وقعت بينهما على أثر المعصية، لا على المعصية ذاتها، فإن موسى لام أباه على الخروج من الجنة، وهو أثر المعصية لا ذات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت