المعصية، فآدم عليه السلام استغفر ربه منها كما قال تعالى (( فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ) )وهي قوله تعالى (( قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين ) )،وهذا يبين أن المؤمن لا ينبغي أن يعيب على مخالفه إن كان في فعله أثر عليه، بشرط أن لا يكون هذا الأثر مربوط من جهة الشرع مع الفعل، أو لا يكون أثرًا ملازمًا للفعل على وجه السنن وجريانها، فإن كان الأمر كذلك فإن اجراء اللوم والعتاب على فاعل الطاعة إن حصل له بسببها بلاء أو حصل لغيره هو أفسد وأضل وأبعد عن الدين والإيمان، ومثال ذلك مالو اشترك اثتنان في طريق فرأى أحدهما معصية فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر فجاش الناس ضدهما كأن يقتلا أو يسجنا أو يطردا، فلا يجوز للمصاب الساكت أن يعيب على القائل بالحق بحجة لحوق آثار بلاء عليه، وعدم فقه هذه القاعدة في المعاصرين جرهم إلى كلام ضلال يقولونه ضد القائمين بالحق من المؤمنين والمجاهدين، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جرّ بلاءً عظيمًا في الحصار في الشعب على بني عبد المطلب مسلم وكافرهم حين دعا قريش إلى الله تعالى، وكان من عقل الكفار فيهم ما منعهم من أن يقولوا ما يقوله المسلمون اليوم في المجاهدين والداعين إلى الله الصادعين بكلمة الحق.
-ومن الأحوال التي تقال فيها هذه الكلمة- قدر الله وما شاء فعل- في تربية المبتدئين والمتعلمين حين يأتون من الأمور على غير وجهها التي يحبها المتقنون منهم، ويشهد لهذا الحديث أنس رضي الله عنه في تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال أنس رضي الله عنه: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين بالمدينة وأنا غلام ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي أن يكون عليه، ما قال لي أف قط، وما قال لي لم فعلت هذا، أم ألاّ فعلت هذا )) ، فإن المرء المبتدئ يحتمل منه أن يأتي بأمور على غير الجادة والاتقان، وكذلك الصغير، فإن وقع منه ما قاله أنس (( ليس كل أمري كما يشتهي صاحبي أن يكون عليه ) )فإنه لا يثرب عليه ولا يلام، بل يصبر عليه ويسدد ويعلم.
-... ثم إن مع رفع العتاب النبوي عن النوم الذي وقع لهم في الغزو كما تقدم، فإنه صلى الله عليه وسلم أنكر على علي رضي الله عنه احتجاجها بهذا في باب ما يقدر المرء أن يأتيه، ففي الحديث عن الحسين عن أبيه رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فقال: ألا تصليان؟ فقلت: يا رسول الله أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إليّ شيئًا ثم سمعته وهو مولّ يضرب فخذه وهو يقول (( وكان الانسان أكثر شيءٍ جدلًا ) ).
-... وقول علي رضي الله عنه هو عين قوله صلى الله عليه وسلم في الحادثة المتقدمة، لكن الاختلاف في الحال، فإن النوم الذي وقع على الصحابة يومها كان قاهرًا لا يستطيعون له دفعًا، بخلاف حال علي رضي الله عنه، وكذلك مما يفترق عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد منهما- علي وفاطمة رضي الله عنهما- القيام لحظة حضه لهما بقوله: (( ألا تصليان، فعلق علي رضي الله عنه صلاته على القدر، ومثل هذا يقع ممن يقال له افعل طاعة فبدل أن يبادر إليها ويصرف همته تجاهها يجلس ويعلق فعلها على القدر قائلًا:- إن قدّر الله ستكون ) )وهذا يفعله الكثيرون، وهذا مما يعاب عليهم ويثرب على قائليها على هذا الوجه وهذه الحال.
قوله (( وإن أصابك شيء ) )دعوة نبوية وإرشاد عظيم إلى عدم الخوف من النتائج بعد أن تأتي الأمور على وجهها الصحيح، فأنت حين حرصت على ما ينفعك، وسددت له كل ما تقدر من العلم والقوة والعمل فلا تخاف العيب والتثريب إن وقع خلاف مصلحتك، بل ما كان إنما هو بقدر الله تعالى، ومن الايمان بالله تعالى والخضوع لعبوديته هو الصبر على