القدر، ومن مستحبات أعمال الايمان القبول به، ذلك بأن الصبر واجب وأما الرضى بالقدر فمستحب على الصحيح في أقوال أهل العلم.
يكون الخوف من النتائج عند الكثيرين سببًا يمنع اقدامهم فيحرمهم من التقدم وتحقيق المصالح، وخاصة حين تسبق الانسان تجارب لم تحقق النتيجة، فلو استكان الناس لهذا الأمر لما كان في الحياة الكثير من العمل النافع، ففي باب الدعوة كانت تجارب كثيرة لم تحقق لأصحابها النتائج الدنيوية من هداية المدعوين واستجبتهم، بل ربما قتل هؤلاء الدعاة كما وقع لصاحب ياسين كما في سورة (يس) ، فلو وقع اليأس بسبب هذه التجارب في قلوب الدعاة لما تحرك منهم أحد بعد ذلك ولما كان في الأرض هداية، ولذلك كان من تعليم الله تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في أمر الخضر وموسى عليهما السلام هو عدم النظر إلى الظواهر فقط، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نزلت عليه هذه الآيات في مكة وهو يعاني صدود وإعراض قريش، وهي سنين طويلة كافية عند البعض أن يترك الدعوة، لكن هذا الأمر هو أمر الله، وقد هدّد الدعاة إن سلكوا هذا الأمر فتركوا الدعوة بما وقع ليونس عليه السلام، فجاءت آيات سورة الكهف في شأن موسى والخضر عليهما السلام لتعلم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته أن الحياة لا تقوم على الظواهر فقط في باب الهداية والنصر والتأييد، فكان ما كان من أمر الخضر الذي علمه الله النتائج على خلاف ما يبصره المصاحب له، والأمر أشبه بما أمر الله تعالى خليله ابراهيم بالأذان في الأرض الخالية في قوله تعالى (( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالًا ) )فاستجاب الخليل لأمر الله تعالى ولم ينظر إلى الناس، أو إلى ظاهر الأمر، فكان ما كان من استجابة الملايين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم لهذا النداء العظيم.
وهكذا وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة، حين دعا إلى الله فيها ثلاثة عشر عامًا فلم يستجب له ما يصل المائة ولكن كانت آثار هذه السنين بركة وخيرًا على أهل المدينة التي تنورت بقدوم الحبيب إليها، وهذا قد يقع للداعي حيث يمكث سنين وهو لا يجد مستجيبًا ثم يأتي الخير ويبدأ الدفق الايماني العجيب في الناس، ولذلك كان من قوله صلى الله عليه وسلم لملك الجبال وقد استأذنه أن يطبق الأخشبين على أهل مكة: (( اني لأرجو من الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ) ).
وهذا الذي يقال في الدعوة يقال في الجهاد، فإن الجهاد في بدايته حين يشرع به أهله يكون فيه البلاء والشدة، ويكون الفقر والقتل، ثم يكون الخير العظيم كما وقع للصحابة رضي الله عنهم، فإن البلاء الذي وقع على المدينة بالجهاد هو من أشد ما يقع على القرى ثم لما بدأت الفتوح والغنائم عم الخير كل المسلمين، وكان أكثر الناس أخذًا لها هم التالين في الاسلام والجهاد لا السابقين.
ولذلك قد يقوم أهل بلد بالجهاد فيلحقها الخراب والهجرة والقتل، لكن كل هذا هو وقود الخير القادم الذي ينتظرها إن صبرت وثابرت، فالظواهر مع هذا الدين لا تصلح في البدايات إنما النظر دائمًا إلى العواقب.
ثمّ في باب الجهاد يعظ هذا الحديث النبوي أولئك الذين يريدون تعطيل الجهاد بحجة التجارب السابقة التي أخفقت فآل أمرهم إلى التبديل والتغيير، ولو اهتدى هؤلاء بنور هذا الحديث لما غيروا وبدلوا بل لكان عليهم أن يعيدوا الأمر كرة بعد كرة حتى يتحقق لهم المراد أو يهلكون دونه، فإن هلكوا هم دونه جاء من وراءهم من ورث الطريق حتى يتحقق المراد،