الصفحة 20 من 23

لأن هذا هو شأن الأمم الحية، وهي الأمم التي لا يقعر لها بالعصا أي إنها لا تستكين ولا تجبن بمجرد أن يقع الاخفاق في تجربة واحدة، أو تتراجع بمجرد التهديد والتخويف.

إن قوله صلى الله عليه وسلم ونهيه عن قول الفاعل (( لو أني فعلت كذ وكذا ) )دليل على أن عيب السبب الموصل إلى الهدف غير سديد، فإن الماء في سنة الله تعالى هو ما يدفع العطش، لكن إن شرب أحدهم الماء فغص فمات لا يعني أن نبحث عن سبب آخر لدفع العطش، وهذا يقال في الجهاد وقتال الطواغيت، فإن المجاهد إن أصابه شيء لا يجلس ليقول: (( لو أني فعلت كذا وكذا ) )أي أتيت فعلًا آخر غير الجهاد، بل يعود مرة بعد مرة في نفس السبيل حتى يتحقق المراد، وفي كل مرة يسدد ويقارب ويصلح من هذا السبيل ما يقدر عليه على أساس القاعدة النبوية (( احرص على ما ينفعك ) )وقاعدة (( استعن بالله ) )وقاعدة (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ) ).

إن من علم الشيطان وجنده أن التجارب الفاشلة تقضي على الارادات، وتورث اليأس، وتصنع الخصومات بين الفاعلين فإنهم يعمدون في حالات متعددة إلى صنع هذه التجارب بأيديهم حتى يكون الأثر المطلوب، فبالفشل المصنوع يتم القضاء على الارادات في نفوس الصادقين، ولذلك فإن هذا الحديث ينير للمهتدين هذا الأمر فهم يعيدون الكرة مرة بعد مرة حتى يتم المراد ويقضي الله بين الطائفتين.

(( فإن لو تفتح عمل الشيطان ) )

قاعدة العاملين في هذه الحياة أن النصر له آباء كثيرون، وأن الهزيمة لا أب لها، ففي التجارب الناجحة يتنازع الناس النصر، فكل واحد منهم ينسبه لنفسه ويدعيه، لكن إن وقع الاخفاق تبرأ الكل منه، وفي هذا التبرؤ رمي بالخطأ إلى جهة الآخر، وبهذا تنشأ الخصومات ويتحقق مراد الشيطان في العاملين، ومن قرأ حياة الناس وتجاربهم علم أن اليأس لا يقع إلا بسبب هذه الكلمة (( لو ) )إذ فيها اللوم والتقريع المحبط، وفيها التحسر الذي يحطم الإرادة من أن تنزع مرة أخرى للفعل، كما أن فيها الاتهام المسيء للنفس والآخرين، هذا مع نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول المرء (( خبثت نفسي ) )لأن في هذا تدمير للإرادة النازعة للفعل، فإن الثقة بالنفس على معنى إيماني كما في هذا الحديث (( استعن بالله ولا تعجز ) )شرط ضروري لتحريك الإرادة للفعل، ولذلك فإن انتشار ثقافة سب النفس وتحقيرها وتهوين شأنها ليس من الإسلام في شيء، ويجب التفريق بين هذه الثقافة الباطلة التي انتشرت بسبب دين الصوفية وبين غمْط النفس واتهامها بالتقصير، فإن المؤمن يغمط نفسه ويتهمها بالتقصير لظنّه أنه لم يأت بالفعل الايماني على وجه يتناسب مع قوته وقدرته، أما ثقافة سب النفس وتحقيرها وتهوين قوتها وعلمها فإنها على الضد من ذلك كما هو تبين، لكن اختلاط الأمر بينهما هو ما جعل دين اليأس وتحقير الذات ومن ذلك تحقير المسلمين يسير في البيئات المسلمة أكثر من غيرها تحت ستار الدين وزعم التواضع، فما أن ينزع أحدهم إلى معالي الأمور في أي باب من أبواب الدين أو الدنيا حتى تجد سياط الجلد والسب والاستهزاء تتناوشه من كل جانب، حتى صار من الدين المستقر في نفوس الناس أننا لا نقدر أن نقارع الكبار!! (كما يسمونهم) أو أننا لا يمكن لنا أن نبلغ في البناء ما بلغوا، أما تحقير المعاصرين لطلبة العلم في باب اللحوق بالأوائل فحدث عنه ولا حرج، ولذلك صار التاريخ اسطورة في أذهان هؤلاء لا يمكن تحقيقه، وكذلك الوصول إلى ما وصل إليه الأغيار حلم خيالي لا يفكر فيه عند هؤلاء إلا من هو مجنون مخبول، وبهذا اجتمعت حلقتا البطان في تدمير الارادة المسلمة؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت