أولاهما أن التاريخ لن يتكرر وثانيهما أن الحاضر لن يتغير، فالمسلم بين تاريخ اسطوري لن تلغ شأنه، وبين واقع بعيد لن تلحق شأوه، وهذا هو مراد الشيطان.
إن (( لو ) )في مرات كثيرة وهي الأغلب هي محاسبة لما لا تقدر عليه، فحين لا تنتبه إلى أن الاخفاق لا علاقة له بالشخص ولا باختياره لكن له دور لمستوى ضعف القوة أمام المانع، أو لدخول فاعل غير محسوب في الحدث يكون في (( لو ) )هذه فتح لباب الشيطان في بث اليأس في نفس العامل، أو بث الخصومة بين نفوس العاملين المشتكرين في الفعل.
اننا نجد كثيرًا من التجارب التي وقع فيها قوله صلى الله عليه وسلم (( وإن أصابك شيء ) )أي على غير مرادك فجلس العاملون ليفتحوا ملف (( لو ) )وهو ملف كبير تحت باب المحاسبة والمسائلة (( زعموا ) )صار بهم الأمر إلى الخصومة، ولذلك من باب حسن الإدارة التي يُعلم الكبار فيها أن لا يعلقوا على كلام غيرهم حين يأتون بآرائهم، ولا يذمون تجارب آخرهم حين يبنون ما يريدون، لأنه لو وقع هذا لوقعت الخصومة حتمًا، ولكن من حسن الادارة أن تأتي بقولك ورأيك دون أن تعلقه على قول وفعل الآخر، وهذا مما يؤسف له لا نجده قط في العالم الاسلامي ولا في العمل الاسلامي، وكأن ما نراه من أعمال تنظيمات وأفراد هي ردود فعل فقط على أفعال الآخر، أو هي ردود فعل من اشخاص على أنفسهم أمام تجارب سابقة، لم تدفعهم للعودة والمثابرة لكنها كسرتهم وأركستهم عن المسير مرة أخرى.
في (( لو ) )عند بعضهم فتح لباب تغيير السنن، اذ أن الأهداف البشرية الكبرى والمعلومة لها سنن معلومة لا يخطؤها الانسان الفطري السوي، فمن أراد المال فإن له سبلًا معلومة من تجارة وصناعة ورحلة وغير ذلك، ومن أراد العلم فإن له سبلًا معلومة مشهورة، ومن أراد شد رمق الجوع فإن له سننًا معلومة، وهكذا، وقد تخفق تجربة ما لقلة القوة المكافئة للفعل أو لدفع المانع، وقد يطرأ عامل قدري غير محسوب كما يقع في سنن الحياة وجريانها إذ لا يعلم الغيب إلا الله، وهذه التجربة لا يجوز أن تتخذ حجة لتغيير السنة الفطرية، بل تبقى السنن هي الجارية التي يسير الناس عليها، لكن قومنا في هذا الزمان لهم في ذلك رأي آخر، فإن بعضهم ما أنْ تخفق تجربته حتى تفتح (( لو ) )فمها من قوله داعيًا إلى سنن جديدة لتحصيل المراد، وهم يزعمون في هذا أهم أهل تجديد وابداع، وأعظم ما وقع في هذا الباب هو باب الجهاد، فإن البشر كلهم على اتفاق فطري أن القتال والمدافعة والمنازعة هي التي ترفع الأمة من الذلة إل العزة حين تكون الذلة بقهر طاغوت أو محتل، وهو أمر لا خلاف فيه في عالم البشر الأسوياء، لكن بعضهم يدعوك للصبر حتى يموت الطاغوت أو المحتل، وبعضهم يريد منك أن تأخذ بشطر الموعظة النبوية وهي (( استعن بالله ) )دون قوله (( ولا تعجز ) )، ولذلك حين يموت الطاغوت يأتي غيره، ويحن يذهب المحتل فإنه يورث هذا الشعب الجبان المتخاذل الجاهل محتلًا آخر له سمة جديدة وحلة جديدة، يجري عليه كل ما يفعله الكافر الأصلي بل أشد منه وأعظم، لكن لما كان قادة الأمة من فقهاء العصر يعلقون الأحكام على مناطات باطلة كالأسماء أو الألوان أو الصور أو الأنساب التاريخية فإن حيل هذا البديل تنطلي عليهم، ثم يزيد الأمر سوءًا أن يصبح بين الطرفين حالة استمتاع، أي بين الظالم والمظلوم، وبين الاله الباطل والتابع الجاهل وهي أشد ما يصيب الأمم كما قال تعالى عن هذه الصورة:- ويوم يحشرهم جميعًا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال أولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا، قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم )) وهذه الحالة هي أشد ما يقع بين الاله الباطل الظالم وبين التابع الجاهل المظلوم، اذ يصبح