إن من المهمات التي ينبغي التنبيه عليها أن كثيرًا ممن يتكلمون عما يحدث في مصر أو في غيرها يغيب عنهم كثير من معرفة الواقع في هذه البلدان فينتج عن ذلك خطأ فيما يصدر عنهم من أحكام ومثال ذلك ما أشرنا إليه قبل قليل من القول بإن الجماعة الإسلامية في مصر تفتي لأعضائها بقتل أنفسهم إذا ما وقعوا في الأسر، ومثال ذلك أيضًا بل أهم منه أن أصل ما حدث في مصر في هذه السنوات الأخيرة ليس هو القيام لخلع حاكم كافر، وإنما هو ضرورة الدفاع عن النفس؛ ذلك أن الجماعة الإسلامية في مصر وإن أقرت بوجوب الخروج على الحاكم الكافر إلا أنها كانت ترى تأخير ذلك ريثما يتم الإعداد الذي تصبح معه المصلحة راجحة في الخروج، وقد تم التركيز بدلًا من ذلك على الدعوة وتربية الأفراد ونشر العقيدة الصحيحة والاهتمام بطلب العلم مع تغيير ما يمكن تغييره من المنكرات الظاهرة.
لكن النظام العلماني في مصر لم يكن ليسمح لدعوة كهذه أن تستمر إلى أن تؤتي ثمارها، فأخذ يعمل على القضاء على هذه الدعوة، فبدأ في شن الاعتقالات الواسعة والتعذيب الرهيب واحتجاز النساء واقتحام المساجد وقتل الدعاة في الطرقات وعلى أعتاب المساجد ولم يكن لذلك من مبرر إلا محاولة خنق الدعوة ومنعها من الوصول إلى ما تصبو إليه، بل إن أعمدة هذا النظام لا يخفون أن هدفهم هو القضاء المبرم على تلك الجماعة وغيرها من الجماعات التي يصفونها بالتطرف، كما أنه لا يخفى على من له خبرة بمثل النظام المصري أنه إن نجح في القضاء على تلك الجماعات التي يسميها متطرفة فلن يتوقف عند ذلك بل لابد أن يمتد بطشه إلى تلك الجماعات التي يصفها أحيانًا بالاعتدال كالإخوان وغيرهم.
وكانت الجماعة الإسلامية قد أصدرت في حوالي العام 1408ه كتيبًا بعنوان (تقرير خطير) بينت فيه - بالأسماء والأرقام - ما يوقعه النظام المصري على أبنائها من تعذيب وقتل واعتقال للنساء وإجهاض للحوامل، ثم تساءلت في نهاية التقرير: هل إذا قمنا بعد ذلك كله نحمل السلاح دفاعًا عن أنفسنا يقال عنا إننا دعاة عنف وإرهاب؟
ومن هنا رأت الجماعة الإسلامية أنها في حالة دفع لا تحتمل التأخير، ولا شك أنه لا يشترط في حالة الدفع ما يشترط في حالة الطلب، فكان لابد من الدفاع بما تيسر من وسائل الدفاع، ولقد كان لسان حال هؤلاء المدافعين أنه إن أبى هؤلاء المجرمون إلا أن يقتلونا فليكن ذلك بعد أن نجعلهم يتجرعون كأس الموت قبل أن يسقونا إياها، وأنه لابد من تلقينهم درسًا مهمًا يجعلهم يحسبون ألف حساب قبل أن يفكروا مرة أخرى في الاعتداء على الدعاة إلى الله.
ولقد كان من نتيجة هذا الفهم أن رأينا شبابًا يأتيهم رجال الفزع المسمون زورًا برجال الأمن للقبض عليهم فلا يستسلمون لهم بل يقاتلون حتى يُقتلوا أو ينجيهم الله منهم، وهم في ذلك يضعون نصب أعينهم مثل قول الإمام أحمد في مثل تلك الحالات: (ما يعجبني أن يستأسر، فليقاتل أحب إليَّ، الأسر شديد، يقاتل ولو أعطوه الأمان قد لا يفون) [55] .
هذا علمًا بأن هؤلاء المقاومين يعلمون أن الأمر لن ينتهي بأسرهم وإلقائهم في السجون، بل إنه التعذيب الرهيب حتي يدلوا على إخوانهم وحتى يعترفوا بما يراد لهم أن يعترفوا به مما لم يفعلوه، هذا فضلًا عن الإذلال النفسي الذي يريد أولئك المجرمون أن يوقعوه على الأخ المسلم، ثم إن كثيرًا من أولئك الشباب يعلمون جيدًا أن مصيرهم إلى القتل ولابد، ومنهم من يكون محكومًا عليه بالقتل من قبل ما يسمى بالمحاكم العسكرية، فلا شك أن استماتته في القتال وعدم تسليم نفسه - والحالة هذه - خير له وأشرف.
ولقد حاول أولئك الرجال في مصر أن يوصلوا لإخوانهم المسلمين هذه الصورة الصحيحة لما يحدث في مصر، ولكن ذلك كان يصطدم بقلة الإمكانات من جهة، وبالتفوق الكاسح للإعلام الرسمي الذي لا يفتأ يصور هؤلاء الدعاة والمجاهدين على أنهم مجموعة من الإرهابيين الذين لاهمَّ لهم إلا ترويع الآمنين من جهة أخرى.
وإنني من باب المساعدة في توصيل هذه الصورة الصحيحة أنشر في ملاحق هذا الكتاب بيانًا كانت الجماعة الإسلامية قد وزعته بمناسبة عيد الأضحى عام 1413 هـ وكان الذي كتبه هو الأخ طلعت ياسين الذي كان واحدًا من دعاة الجماعة وقادتها، فلما بدأت موجة الإرهاب الدموي التي شنتها أجهزة النظام في مصر تحول إلى قيادة العمل العسكري، وهو في هذا البيان يحكي بأسلوب مؤثر كيف يتحول شاب مسلم من مجرد الاكتفاء بأمر الدعوة اللسانية إلى مجاهد يحمل السلاح دفاعًا عن الدين والنفس والعرض، ولم يمض عام على ذلك البيان حتى قتل الأخ طلعت بأيدي رجال النظام وقالت وزارة الدخلية إنه قتل في مواجهة مسلحة مع قواتها عند محاولة القبض عليه، نسأل الله أن يتقبله في الشهداء وأن يجعله عنده من المقبولين.
[55] انظر الفروع لابن مفلح 6/ 201 - 202