تعرض الشيخ الألبانى في شريطه هذا وربما في غيره لأشياء مما يحدث في أثناء الخروج على الحكام وليس من غرضنا مناقشة هذه الأمور التفصيلية فإنه لما كان الشيخ غير مقر من حيث الأصل بمشروعية هذا الخروج فلا فائدة من مناقشة هذه الأمور غير أن هناك مسألتين لفتتا نظري فأحببت أن أعلق عليهما تعليقًا يسيرًا:
أ) أما المسألة الأولى فهي أن الشيخ قد تعرض لما يحدث في الجزائر من قصد النساء والأطفال بالقتل وأن هذا لا يجوز ما دام هؤلاء لا يقاتلون ولا يعينون على قتال، وذكَّر بما ورد في السنة من النهي عن ذلك.
وأقول: صدق الشيخ فيما قال، فإنه ليس معنى اختلافنا معه في أصل المسألة أن لا نخضع لما ذكره من الحق، ونحن نقول دائمًا إنه لابد من الالتزام بالضوابط الشرعية في الجهاد ولا خير في عمل ولو كان مشروعًا ما لم يمارسه فاعله على مقتضى قواعد الشرع الحنيف.
ولعله من المناسب هنا أن أذكر بأن الجماعة الإسلامية بمصر كانت من أول من نبه إلى عدم جواز ما تردد عن الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر من قصد النساء والأطفال بالقتل، كما أنه لم يفت الجماعة الإسلامية بمصر أن تنبه على غير ذلك من الممارسات الخاطئة التي حدثت في الجزائر مثل قتل الشيخين محمد السعيد وعبد الرزاق رجام، وقتل الرهبان وغير ذلك.
ونحن بحمد الله مع كل تصحيح لمسيرة الجهاد، ولسنا نرضى بأن تستغل راية الجهاد لارتكاب ما لا يقره الشرع الحنيف ولا يرضاه الله ورسوله سواء كان ذلك في الجزائر أو في مصر أو في غيرهما، والحق أحق أن يتبع والله المستعان.
ب) وأما المسألة الثانية فهي تتعلق بسؤال وجه للشيخ جاء فيه: (هناك فتوى من الجماعة الإسلامية التي في مصر، إذا قبض على أحد أفراد الجماعة وتعرض للتعذيب حتى يعترف على أفراد جماعته أجازوا له الانتحار) ، أي فما الحكم في ذلك؟
فأجاب الشيخ بأنه لا يجوز ذلك وأنه في الغالب دليل علىلاعتراض على قضاء الله وقدره، ثم قال الشيخ: (ولابد لي من كلمة - وهي ختام - فأقول: هذا الحكم خاصة من الجماعة الإسلامية زعموا أنهم أفتوا بعضًا أو أفتوا أنفسهم وجماعتهم وأفرادهم أنه إذا وقع أسيرًا في يد الحاكم الظالم أنه يجوز له أن ينتحر من أين جاء هذا الحكم؟ ألم يُصَب المسلمون الأولون بمثل ما يصاب به هؤلاء المتأخرون؟ فهل أفتاهم الرسول صلى الله عليه و سلم بمثل هذه الفتوى؟ هذا يأتي بسبب الجهل أولًا بالكتاب والسنة، وثانيًا الاستعجال بإقامة ما هو واجب وهو إقامة الحكم بالإسلام، بالكتاب والسنة فكيف يقيم الحكم بالكتاب والسنة من يفتي عاجلًا بخلاف الكتاب والسنة؟ ... ) [53] .
والحق أني لست أدري كيف رضي الشيخ لنفسه أن يتهم أناسًا لم يلقهم ولم يعرف كامل أحوالهم بأنهم جهلة ومستعجلون ويفتون بما يخالف الكتاب والسنة؟، لكني على أية حال أود أن أسأله عفا الله عنا وعنه:
هلا تأكدت من أن الجماعة الإسلامية تفتي حقًا بهذه الفتوى؟ هل قابلت واحدًا من هذه الجماعة فقال لك ذلك؟ هل قرأت شيئًا من كتابات تلك الجماعة فيه مثل هذه الفتوى؟
إن الذي أعتقده أن الشيخ لم يفعل شيئًا من ذلك ولو فعل لما قال ما قال الأن الحقيقة أن نسبة تلك الفتوى إلى الجماعة الإسلامية غير صحيحة، وليس للشيخ أن يسألني عن الدليل لأنه هو ومن سأله المطالَبان بالدليل والأصل عدم نسبة شيء إلى تلك الجماعة أو غيرها حتى يقوم الدليل عليه.
ومع ذلك فإننا نسوق للشيخ دليلًا يبين له عدم صحة ما ذُكر له وهو بيان أصدرته الجماعة الإسلامية تنفي فيه أن يكون قد صدر منها بيان تدعو فيه أعضاءها للانتحار حين القبض عليهم منعًا للاعترافات التي يمكن أن يدلوا بها حال التحقيق معهم، ومما جاء في هذا البيان: (إن الجماعة الإسلامية لم ولن تصدر مثل هذا البيان المتأفك، ذلك أن الإسلام يحرم الانتحار بأدلة ثابتة قطعية) ، كما بينت في البيان المشار إليه أن هذا الذي نسب إليها إنما هو فرية افتراها النظام المصري كي يتمكن من قتل أكبر عدد ممكن من المعتقلين ثم يدعي بعد ذلك أنهم انتحروا استنادًا إلى هذا البيان المكذوب [54] .
وأخيرًا فإني أقول للشيخ:
ألم يكن من الأولى بدلًا من الوقوع في أناس لا تعرفهم أن تقول: لو صح هذا الذي تقول فالجواب كذا وكذا؟، أو أن تجيب جوابًا عامًا في المسألة كأن تقول إن ذلك الأمر لا يجوز شرعًا دون أن تتعرض لأحد بعينه ودون أن تنساق وراء أخبار لا يمكنك التأكد من صحتها؟
[53] من كتاب فتاوى الشيخ الألباني ص: 364 - 365
[54] يمكن للقارئ أن يطالع نص ذلك البيان كاملًا في ملاحق هذا الكتاب