قد مر بنا قول الشيخ الألباني في بداية الشريط الذي كان موضوع بحثنا في الفصلين الأول والثاني: (إن الوضع الذي يعيشه المسلمون بأن يكونوا محكومين من هؤلاء الحكام ولنقل الكفار مجاراة لجماعة التكفير ... إلخ ما ذكره الشيخ حفظه الله) ، وواضح من كلامه هذا أنه يخلط بين كل من يقول بكفر الحكام وبين جماعة التكفير، وقد تكرر ذلك منه بصورة أو بأخرى في مواضع أخرى من هذا الشريط وغيره.
والذي نحب أن يكون واضحًا لدى الشيخ أنه ليس كل من قال بكفر الحكام داخلًا في إطار من يسمون بجماعة التكفير، فجماعة التكفير هو الاسم الذي صار علمًا على جماعة تتبنى طائفة من الآراء البدعية من أهمها تكفير صاحب المعصية إن أصر عليها، وترى تلك الجماعة أنها وحدها جماعة المسلمين وأن من لم ينضم إليها فليس بمسلم، وأما تكفير الحاكم الذي يشرع للناس من دون الله فهو أمر مجمع عليه كما أسلفنا وليس خاصًا بتلك الجماعة التي يسمونها جماعة التكفير وتسمي نفسها جماعة المسلمين.
وفي مصر مثلًا فإن الجماعة الإسلامية ترى تكفير الحكام المبدلين للشرائع وترى الخروج عليهم ومع ذلك تختلف عن تلك التي تسمى بجماعة التكفير، بل إن للجماعة الإسلامية أبحاثًا وكتابات في الرد على فكر التكفير، وفي كتاب"ميثاق العمل الإسلامي"- الذي يحوي فكر الجماعة الإسلامية - فصل بعنوان عقيدتنا، وفيه تبين الجماعة أن عقيدتها هي عقيدة السلف الصالح، ثم تفصل تلك العقيدة، فإذا هي عين ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه في توحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات وأبواب الإيمان وغير ذلك، ومما جاء في ميثاق العمل الإسلامي (ص:32) (والمسلم لا يكفر بالمعاصي وإن كثرت وإن لم يتب منها ما لم يستحلها بقلبه ... ) .
وفي الميثاق أيضًا فصل بعنوان"فهمنا"جاء فيه (ص56) : (والضابط الصحيح والوحيد لفهم الإسلام فهمًا صحيحًا مجردًا عن النقص منزهًا عن الخلل هو أن نبحث عن فهم سلف هذه الأمة له: فهمِ الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن اتبعهم من علماء أمتنا الأثبات الثقات الذين لم يبتدعوا ولم يغيروا ولم يبدلوا، الذين امتثلوا قول النبي عليه الصلاة والسلام:"فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ"، لذا فإنا لا نعدل عن فهم سلفنا الصالح ولا نعدل به فهمًا آخر ... ) .
وأما جماعة شكري مصطفى التي تسمى بجماعة التكفير والهجرة: فإنها تخالف ذلك تمامًا فهي لا تعتد بفهم السلف ولا غيرهم وتكفركما أسلفنا من ارتكب ذنبًا ولم يتب منه، وحتى في قضية الخروج على الحكام فإن البون شاسع بين جماعة شكري وبين الجماعات الجهادية كالجماعة الإسلامية وغيرها فإن الذي قد لا يعلمه الكثيرون أن شكري لم يكن يرى الخروج على الحكام إطلاقًا بل هو لايرى الجهاد أصلًا إلا بعد أن تُفني قوى العالم الحديث بعضها بما لديها من أسلحة فتاكة وبعدها تظهر حركته لتقاتل الشراذم الباقية من الكفار.
وهو يقول عن ذلك في كتاب الخلافة: ( ... هل هناك فرصة للحركة الإسلامية اليوم أعظم من أن تكون وافرة متربصة في نجوة من الأرض تعبد الله وتنتظر كيف تحطم الدول الكافرة نفسها بنفسها وبإذن الله - تسع سنوات مثلًا بل وأقل من ذلك بكثير حسب ما تقرره قوة القنابل والصواريخ وما اخترع المكر الشيطاني في القرن العشرين) .
ويقول عن دور الحركة الإسلامية في زمن الانتظار هذا: (وفيه يتفرغ المسلمون في نجوة من الأرض لعبادة ربهم والتقرب إليه زلفى بعمل الصالحات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتطهر أثوابهم مما علق بها وأشربتها من نجس الجاهلية ورجسها وأوبئتها وحينئذ يؤذن للفجر أن ينفجر ... و إنما على المسسلمين أن ينتظروا ويعتبروا ويصبروا ويسجدوا ويركعوا ويسيروا على مواقع القدر من خلال الواقع حتى يؤذن لهم في حمل السيف المنصور والمعول المزخور لتدمير البقية البا قية بعد قدر الله من الكفار) .
وهو لا يرى قتالًا إسلاميًا أبدًا إلا يوم أن يرجع الناس للسيف والنبل والخيل فهو يقول في المصدر السابق: (إن المسلمين لم يعرفوا ولن يعرفوا قتالًا إلا بالصف والسيف والخيل والنبل وأنه لم تكن هناك حرب في سبيل الله منذ أن تودع هذا العتاد السالف الذكر وأنه أيضًا لن تكون ... إلخ ما ذكره في ذلك) [52] .
وبكل حال فإن هذا الفكر الذي كان ينادي به شكري هو من ذلك الكلام الذي يقال فيه إن حكايته تغني عن تكلف الرد عليه، ولذا فإنه من الظلم البين أن نقرن بين الفصائل الجهادية وخصوصًا الجماعة الإسلامية بمصر وبين فكر جماعة التكفير لمجرد أن الطرفين قد توافقا في مسألة تكفير الحكام الحاليين، و إلا لجاز لنا أن نقرن بين الشيح الألباني وجماعة التكفير بجامع أن كلًا منهما لا يرى الخروج الآن ويرى الاكتفاء بالتربية وإن كان كل منهما له رؤيته الخاصة في التربية ومثل هذا لا يقوله منصف كما ترى.
على أن لنا ملحظًا فيما يتعلق بالتكفير، فإن المتابع لواقع الحركة الإسلامية اليوم وخصوصًا في مصر يلحظ ولابد إنحسارًا كبيرًا في هذا الفكر بحيث لم يعد في مصر إلا شراذم متناثرون هنا وهناك ممن يقولون بما كان يقول به شكري مصطفى قبل وفاته، ولم يعد النظام الحاكم في مصر يلاحق القائلين بالتكفير كما كان يفعل قديمًا بعد أن عرف أنهم وإن كانوا يكفرونه ويكفرون المجتمع كله إلا أنهم لا يفكرون في الخروج عليه.
[52] انظر وثيقة الحلافة لشكري أحمد مصطفى المطبوعة ضمن كتاب الثائرون لرفعت سيد أحمد من ص115 و حتى ص160