يقول الشيخ الألباني: (هبوا أن هؤلاء كفار كفر ردة وأنهم لو كان هناك حاكم أعلى عليهم واكتشف منهم أن كفرهم كفر ردة لوجب على ذلك الحاكم أن يطبق فيهم الحد، الآن ماذا تستفيدون أنتم من الناحية العملية، إذا سلمنا جدلًا أن كل هؤلاء الحكام هم كفار كفر ردة؟ ماذا يمكن أن تعملوا؟ هؤلاء الكفار احتلوا من بلاد الإسلام ونحن هنا مع الأسف ابتلينا باحتلال اليهود لفلسطين فماذا نستطيع نحن وأنتم أن نعمل مع هؤلاء حتى تستطيعوا أنتم مع الحكام الذين تظنون أنهم من الكفار؟ هلا تركتم هذه الناحية جانبًا وبدأتم بتأسيس القاعدة التي على أساسها تقوم قائمة الحكومة المسلمة، وذلك باتباع سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام التي ربى أصحابه عليها ونشأهم على نظامها وأساسها ... ) [49] أهـ
فالشيخ هنا يرى عدم التعرض للحكام الكافرين إذا كنا غير قادرين على إزالتهم وأنه ينبغي السكوت عنهم فلا نعلن تكفيرهم ولا ننطق بالحق في وجوههم ولا نعد العدة لجهادهم، وبدلًا من ذلك فإنه لابد من الانشغال بتأسيس القاعدة الإسلامية عن طريق ما يعبر عنه الشيخ دائمًا بالتربية والتصفية.
وأقول:
لاشك في أهمية التربية الإيمانية التي دعا إليها الشيخ، ولكن الذي نخالف الشيخ فيه هو أن يكون طريق التربية والتصفية هو وحده المطلوب وأنه لا ينبغي أن نفعل شيئًا تجاه الحكام الكافرين ما دمنا غير قادرين عل إزالتهم، ذلك أنه ليس الأمر الوحيد المترتب على كفرهم هو قتالهم والخروج عليهم، بل إن هناك أمورًا كثيرة يطالب بها المسلمون تجاه من يُحكم بكفره سواء كان حاكمًا أو محكومًا.
-فمن هذه الأمور البراءة من هذا الكافر وإعلانه بالبغض والعداوة لكفره وقد قال الله عز وجل: - {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم و الذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا حتى تؤمنوا بالله وحده ... } [الممتحنة: 4] .
ولا شك أن إبراهيم والذين معه حين قالوا ذلك كانوا فئة مستضعفة لا يستطيعون قتال قومهم ومع ذلك تبرأوا منهم وبارزوهم بالعداوة والبغضاء، وكذلك كانت حال نبينا عليه الصلاة والسلام في مكة فقد كان ومن معه مستضعفين لا يقوون على قتال مشركي قريش، ومع ذلك فإنه عليه الصلاة والسلام كان يصدع بالحق في وجوههم ويسفه عبادتهم لغير الله ويتوعدهم بالعذاب الأليم في الآخرة، بل وفي الدنيا أيضًا.
كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ( .. أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح ... الحديث) [50] .
قال البيهقي في الدلائل (2/ 275) : (وفي هذا الحديث أنه عليه الصلاة والسلام أوعدهم بالذبح وهو القتل في مثل تلك الحال ثم صدق الله تعالى قوله بعد ذلك بزمان فقطع دابرهم وكفى المسلمين شرهم) .
-ومن هذه الأمور: النصح للأمة ببيان حال هؤلاء الذين يدعون الإسلام مع كونهم ليسوا كذلك فإن تركهم من غير أن يبين حالهم فيه غش للأمة وكتمان للحق الذي أمرنا بالصدع به.
-ومن هذه الأمور أن المرتدين لا تحل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، فيجب على من عرف حال المرتدين أن لا يأكل ذبائحهم وأن لا ينكح نساءهم ويجب عليه أيضًا أن يُعرِّف من لا يعلم حالهم بذلك حتى يعاملهم بنفس المعاملة.
-ومن هذه الأمور أنه يجب على المسلمين الإعداد لقتال هؤلاء الكفار عند عدم القدرة على قتالهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28/ 259) : (يجب الاستعداد للجهاد بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) .
إلى غير ذلك من الأمور الواجبة تجاه المرتدين والتي لا علاقة لها بالقدرة على قتالهم، فإذا كان المسلم غير قادر على بعض هذه الأمور فإن ما يقدر عليه لا يسقط وجوبه، وقد تقرر في الأصول أن الميسور لا يسقط بالمعسور، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) [51] ، فنحن إن لم نستطع إزالة منكر هذا الحاكم الكافر - وهو كفره - بأيدينا فإننا ننتقل إن استطعنا إلى التغيير باللسان وهو بيان ما هو عليه من الكفر وأنه يلزمه الإقلاع عنه والتوبة إلى الله، فالمسلم عليه القيام بما يستطيع في باب تغيير المنكر.
كما أنه لا يشترط أن يعلم المغير أن المنكر سيزول من جراء تغييره، بل على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وإن علم أن المنكر سيبقى على حاله.
قال النووي في شرح مسلم (2/ 23) : (ولا يسقط عن المكلف الأمر والنهي لكونه لا يفيد في ظنه بل يجب عليه فعله فإن الذكرى تنفع المؤمنين، وقد قدمنا أن الذي عليه الأمر والنهي لا القبول كما قال الله عز وجل: {ما على الرسول إلا البلاغ} ... ) .
والشيخ يذكر أن المسلمين لم يستطيعوا تحرير فلسطين من اليهود، ونحن نقول نعم، ولكن هل عدم وجود هذه الاستطاعة مانع من الحديث عن هؤلاء اليهود والتحذير منهم ودعوة الأمة إلى الوقوف في وجههم وجهادهم؟ ما أظن الشيخ يقول إنه يلزمنا السكوت عن اليهود وعدم الحديث عن وجوب جهادهم بدعوى عدم القدرة على إزالتهم، ونحن نقول نفس الشيء بالنسبة للحاكم إذا كفر فإن عدم قدرتنا على إزالته ليست مانعة من القيام بما نقدر عليه من الأمور الواجبة علينا تجاهه.
والله أعلم.
[49] من كتاب فتاوى الشيخ الألباني ص: 250 - 251 نقلًا عن الشريط السبعين بعد المائة السادسة
[50] أخرجه أحمد (2/ 218) وابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (1/ 289 - 290) والطبري في التاريخ (2/ 332) والبيهقي في دلائل النبوة (2/ 275) من حديث عبد الله بن عمرو، والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (6/ 15 - 16) وقال: (رواه أحمد وقد صرح ابن اسحاق بالسماع وبقية رجاله رجال الصحيح) أهـ، والحديث صححه الشيخ أحمد شاكر في شرحه على المسند (11/ 204)
[51] سبق تخريجه