فأين يفر الحلبي وأمثاله من أهل التجهم والإرجاء من هذا التفسير والبيان؟!
ولماذا يطوونه .. ويكتمونه .. ؟!
واعلم أنَّ الإمام أحمد بن حنبل قد أنكر أيضًا ذلك الإطلاق الذي يُحاول الحلبي ومَنْ على طريقته من أهل التجهم والإرجاء تمويهه وتمريره وترويجه.
(فقال الخلاّل: أنبأنا محمد بن هارون أنَّ اسحق بن إبراهيم حدثهم قال: حضرتُ رجلًا سأل أبا عبد الله فقال يا أبا عبد الله اجتماع المسلمين على الإيمان بالقدر خيره وشرّه؟ قال أبو عبد الله: نعم.
قال: ولا نُكفّر أحدًا بذنب؟
فقال أبو عبد الله: اسكت من ترك الصلاة فقد كفر ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر) انتهى، من المسند تحقيق أحمد شاكر (1/ 79) .
فليس العيب والخلل في تلك القاعدة وإنّما العيب في فهم أهل التجهم لها وإطلاقها وتعميمها وعدم تقييدها على الوجه الذي علِمت.
ولذلك قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ مُشيرًا إلى قول أحمد هذا، وهو يردّ على بعض أهل زمانه ممن يُنكرون على الشيخ محمد بن عبد الوهاب تكفير بعض من وقع في الشرك قال: (وفيه إشعار بأنّه لم يعرف مُراد العلماء بقولهم:(أهل القبلة لا يكفرون بالذنوب) ولم يعرف مراد العلماء ولا أصل هذه الكلمة وما تساق له، فكلامه ظلمات بعضها فوق بعض، وقد أنكر الإمام أحمد قول النّاس: (لا نُكفّر أهل القبلة بذنب) مع أنَّ مراد من قاله مراد صحيح، لا يمنعه أحمد، ولكنَّ الشأن في الألفاظ والعمومات وما يسلم منها وما يمنع) [1] انتهى.
ويقول شارح الطحاوية صفحة (317) تعليقًا على مقولة: (ولا نُكفّر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحلّه) : (ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنّا لا نُكفّر أحدًا بذنب، بل يُقال: لا نُكفّرهم بكل ذنب كما تفعله الخوارج، وفرق بين النفي
(1) مصباح الظلام: ص 144.