الإمام أحمد جامعا ويزول الإشكال عنه وعن كلام غيره من الأئمة، ويدل على هذا التوجيه ويُقوّيه قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك} فهذه قاعدة أهل السنة في الذنوب، ومنها أخذ الإمام أحمد مقالته تلك، وكذلك الإمام البخاري فقد قال في كتاب الإيمان من صحيحه: (باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك ... وقول الله تعالى {إن الله لا يغفر أن يشرك به} .. الآية) .
وقال الحافظ: (والمراد بالشرك في هذه الآية الكفر لأن من جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم مثلا كان كافرا، ولو لم يجعل مع الله إلها آخر والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف) أهـ.
وقد يوجه ذلك بأن الكافر بأي نوع من أنواع الكفر الأكبر قد اتخذ إلهه هواه وعبد الشيطان فهو على هذا مشرك ما دام مؤمنا بالربوبية، قال تعالى: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله} وقال: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم الا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين} .
لكن يبقى الإشكال في عبارة الإمام أحمد قائما في قوله (أو برد فريضة جاحدا بها) فهذا لا ينبغي حمله على إطلاقه في مذهب الإمام رحمه الله؛ خصوصا وأن المشهور من مذهبه تكفيره لتارك الصلاة دون اشتراط للجحد كما سيأتي عنه بل وفي رواية عنه ذكرها شيخ الإسلام يُكفّر بترك أي واحدة من المباني؛ الصلاة أوغيرها دون ذكر للجحد بها.
ولذلك فلا بد من حمل هذه العبارة على سائر الفرائض والواجبات التي هي غير المباني توفيقا بين كلامه رحمه الله، أو أن تؤخذ على إنها إحدى روايات المذهب عنه كما هو معلوم من مذهبه لا على أنها اختياره الأوحد ..
ولذلك سيأتي من قوله: (من ترك الصلاة فقد كفر، ومن قال القرآن مخلوق فهو كافر) اهـ.
وإلا فكل أحد من البشر، الإمام أحمد وغيره يؤخذ من قوله ويرد إلا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، والأصل أن أقوال العلماء يحتج لها ولا يحتج بها، فبدهي أنه لا يجوز أن يعارض دين الله وشرعه أو يُقيّد بكلام أحد منهم كائنا من كان.