-وإمّا أنْ يترك حكم الله ويتحاكم إلى الطاغوت وهو كلّ شرع ـ أو مُشرّع ـ غير شرع الله تعالى. وهو النوع الشركي الكفري الطاغوتي الموجود اليوم.
فالأول: دينه ومنهجه الذي يلتزمه هو شرع الله لم يتركه أو ينسلخ عنه ويتولى، بل تركَ تنزيله على قرابته أو لأجل الشهوة أو الرشوة أو نحوهما. فقال مثلًا: قانوننا وشرعنا يقطع في السرقة ولكن السرقة لم تكن من حرز، ولذلك فلا قطع فيها ونحو ذلك من الكذب أو الهوى والمعصية، كي لا يُنزّل حكم الله على قرابته ونحوه.
والثاني: دان بشرع وقانون ومنهج غير دين الله وابتغى حكمًا غير الله أو جعل لنفسه السلطة التشريعية وفقًا لمواد الدستور ـ كما سيأتي ـ أو صرف التشريع ـ الذي هو عبادة ـ لغير الله، أو تحاكم إلى الطاغوت. فقال (قانون الجزاء عندنا ينصّ على أنَّ السارق يُسجن ثلاث سنوات) أو أنَّ المادة (284) من قانون العقوبات تنصّ على أنَّه: (لا يجوز مُلاحقة فعل الزنى إلا بشكوى ما دامت الزوجية قائمة بينهما أو شكوى وليها إذا لم يكن لها زوج ولا يجوز ملاحقة الزوج بفعل الزنى إلاّ بناء على شكوى زوجته، وتسقط الدعوى والعقوبة بالإسقاط) انتهى.
أفلا تُفرّقون يا أولي الألباب بين هذا وذاك؟!
فالأول كبيرة من كبائر الذنوب لا يكفر صاحبها ما دام يدين بدين الله، لأنَّ الأمر بتحكيم الكتاب واجب من الواجبات وتركه أحيانًا لشهوة، هو معصية لا يكفر صاحبها إلاّ بالاستحلال ما دام ملتزمًا لدين الله وشرعه [1] .
(1) ولا مانع من أنْ يُسمّى هذا النوع (حكم بغير ما أنزل الله) إذ هو حكم الهوى والشهوة والرشوة والظلم والجور، فكلّ ذلك غير ما أنزل الله، ولكن هذا كلّه من «ترك الحكم بما أنزل الله» أي أنّه معصية كترك بعض الواجبات أو إتيان بعض المحرمات كالزنا والخمر ولا يكون صاحبه كافرًا إلاّ بالاستحلال والجحود ما دام ملتزمًا بدين الله وشرع الله ولم يبتغ غير الإسلام دينًا ومنهجًا وقانونًا .. ومنه قول ابن القيّم في كتاب الصلاة صفحة 61: (وإذا حكم بغير ما أنزل الله أو فعل ما سمّاه رسول الله صلى الله عليه وسلم كفرًا وهو ملتزم للإسلام وشرائعه فقد قام به كفر وإسلام) انتهى.
وتأمّل قوله: (وهو ملتزم للإسلام وشرائعه) فلو كنت منصفًا يا حلبيّ لحملت كلامه الذي نقلته من قبل في الحكم بغير ما أنزل الله على هذا القيد وليتك تتعظ بكلامك في هامش صفحة 8 حيث تقول: (فإيّاك والإغترار بالإجمال أو بتر النقول والأقوال ورحِمَ الله الإمام ابن القيّم القائل:
فعليك بالتفصيل والتبيين فالـ ... إطلاق والإجمال دون بيان
قد أفسدا هذا الوجود وخبّطا الـ ... أذهان والآراء كلّ زمان» انتهى.
فماذا نقول؟!
ويشبه كلام ابن القيّم هذا في التزام الشرع كلام شيخه ابن تيمية في (منهاج السُنّة 5/ 131) عند قوله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجرَ بينهم} حيث قال: (فمن لم يلتزم تحكيم الله ورسوله فيما شجر بينهم فقد أقسم الله بنفسه أنّه لا يؤمن) وقال أيضا: (ومن لم يلتزم حكم الله ورسوله فهو كافر وأمّا من كان ملتزمًا بحكم الله ورسوله باطنًا وظاهرًا لكن عصى واتبع هواه فهذا بمنزلة أمثاله من العُصاة) انتهى. وتأمّل كلامه الأخير فهو المُراد.