الفرق المُبين بين ترك الحكم بما أنزل الله في الواقعة كمعصية لمن كان ملتزما بشرع الله وبين الحكم بغير ما أنزل الله بمعناه التشريعي اللعين
{5} ويظهر لك الخلط السابق عند الحلبي وعدم تفريقه ـ هو ومن على طريقته من أهل التجهم والإرجاء ـ بين الأمرين جليًا؛ بفرَحه بكلام لخالد العنبري في كتابه (الحكم بغير ما أنزل الله) ! حيث نقل عنه صفحة 15 قوله: (هل يتصّور أنْ يترك الحاكم الحكم بالشريعة الغرّاء، ثم يجلس على عرشه لا يحكم الرعية بشيء؟ هذا مستحيل!! لابدَّ أنْ يحكم بغيره) انتهى.
ومراده من ذلك أنْ يساوي بين تارك حكم الله ـ حتى بصورته غير المُكفّرة (الجور والظلم) ـ وبين الحاكم بشرائع الكفر، أوالمُشرِّع، الذي يسميه البعض بالمستبدل كما هو واقع حكّام اليوم.
ولو أنه ساوى بين النوعين من جهة الحكم بالتكفير لهان ذلك مع كونه اختيارا مرجوحا؛ إذ سيجد له في ذلك سلف في بعض إطلاقات السلف رضوان الله عليهم في الرشوة ونحوها .. ولكنه يساوي بينهما فيجعلهما كليهما من المعاصي غير المُكفّرة، وهذا ما ليس له فيه سلف إلا من أهل التجهم والإرجاء!
ولذا فنحن نقول له ولعنبريّه: إنَّ تارك الحكم بما أنزل الله:
-إما أنْ يترك الحكم تحكيمًا لهواه كأن يكون حاكمًا أو قاضيًا في دولة تحكّم شرع الله، فدينه الذي يدين به [1] وشرعه المحكّم هو شرع الله؛ ويأتيه ذو قرابة أو رشوة فلا يُنزل فيه حكم الله، للقرابة أو الرشوة؛ فيكون ظالمًا وسمّاه الله كافرًا تعظيمًا لذنبه وتغليظًا لفعله. فنحن نسميه كافرا كما سماه الله (لكن كفره، كفر دون كفر) وذلك بالجمع بين أدلة الشرع وبالرد إلى قواعده وأصوله كما هي طريقة أهل السنة.
(1) ولمثل هذا أشار أبو مجلز في مناظرته مع الخوارج الذين أرادوا تكفير ولاة زمانه مع أنهم لم يشرّعوا حين سألوه: (أفيحكم هؤلاء بما أنزل الله) ؟ فقال: (هو دينهم الذي يدينون به وبه يقولون وإليه يدعون، وإن هم تركوا شيئًا منه عرفوا أنهم قد أصابوا ذنبًا .. ) وراجع الآثار في ذلك في تفسير قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله .. } من تفسير الطبري وتعليق محمود شاكر عليها.