الطحاوي رحمه الله قال: (لا يكون الرجل كافرًا من [1] حيث كان مسلمًا! وإسلامه كان بإقرار الإسلام، فكذلك رِدّتهُ لا تكون إلاّ بجحود الإسلام) [2] انتهى.
وهذا الكلام اقتطعه!! الحلبي من خاتمة كلام للطحاوي في بيان مشكل ما روي من قوله: (من لم يُحافظ على الصلوات الخمس كان يوم القيامة مع فرعون) [3] . وقد تبيّنَ لك فيما تقدّم أنَّ قصر الكفر والردّة على الجحود وحده ما هو إلاّ ثمرة من ثمرات الإرجاء!! وأصل ذلك وسببه هو قول المرجئة بأنَّ الإيمان هو التصديق فقط. ومن ثم فهم يقصرون الكفر والردّة على (ضدّه) وهو الجحود القلبي والتكذيب .. وقد بينّا لك بطلان هذا التقييد بما يُغني عن إعادته .. ولكن لا ينبغي لطالب الحق أنْ يغتر أو يعجب من صدور مثل هذه المقالة من أبي جعفر الطحاوي، لأنَّ صغار الطلبة يعرفون بأنَّ عقيدته المشهورة المُسمّاة (بالعقيدة الطحاوية) قد تلقّاها أهل السُنّة كلها بالقبول سوى كلمات معدودة، منها موافقته لطائفة من المرجئة على تعريفهم الإيمان بأنّه (التصديق بالجنان والإقرار باللسان) دون ذكر العمل، ومعلوم أنَّ هذا ممّا انتقده العلماء والمحققون على الأحناف عمومًا ومن جملتهم صاحب العقيدة الطحاوية وسمّوهم (بمرجئة الفقهاء) ومن ثم فلا عجب إذن أنْ يُقيّد الطحاوي الكفر بالجحود ولا غرابة أنْ تصدر عنه مثل هذه المقالة إذ هي من ثمرات ذلك التعريف، وإنّما العجب أنْ يتلقف ذلك من يدّعي السلفية!! ويتبنّى تعريف السلف للإيمان كهذا الحلبي!! فيأخذ ويقتطع من كتب الإمام الطحاوي هذا الموضع المُنتقد عليه بالذات، وما ذلك إلاّ لأنّه يُناسب تجهمه وإرجاءه .. فلا أرى له مثلًا في هذا (إلاّ الذباب يُراعي موضعَ العِللِ) .
(1) كذا في مقدمة الحلبي، وفي مشكل الآثار (إلاّ من) .
(2) مشكل الآثار 4/ 528
(3) فائدة: يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: 20/ 98 وهو يتكلم عن تارك الصلاة:
ومن أطلق من الفقهاء أنّه لا يكفر إلاّ من يجحد وجوبها فيكون الجحد عنده متناولا: - للتكذيب بالإيجاب.
ومتناولا للإمتناع من الإقرار والإلتزام. كما قال تعالى: {فإنّهم لا يُكذبونك ولكنَّ الظالمين بآيات الله يجحدون} . وقال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعُلوًا، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين} . وإلاّ فمتى لم يقر بوجوبها ويلتزم بها قُتل وكفر بالاتفاق.