فقول عوام اليهود في حديث البراء لمّا سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن حد الزنا المبدل: (أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم، قالوا: نعم ... ) من جنس ذلك فهو افتراء على الله وهو كفر فوق كفر.
كفر تشريع أو تواطؤ على التشريع الطاغوتي، وكفر كذب وافتراء على الله.
وتحكيمهم لذلك التشريع المفترى كفر ثالث.
أما قول عالمهم بعد ذلك عن حد الزنا في التوراة: (نجده الرجم ولكنِّه كثر في أشرافنا ... إلى قوله .. قلنا: تعالوا فلنجتمع على شئ نقيمه على الشريف والوضيع فجعلناه التحميم والجلد مكان الرجم) .. فصرّح بأن الحد الذي سألهم عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من اختراعهم واختراع آبائهم ولم ينسبه إلى الله كما فعل جهالهم.
فهذا الكفر من باب التشريع أو التواطؤ على التشريعات الطاغوتية وهو كفر أكبر، وإن لم ينسبوه إلى الله. فإنْ حكموا به وألزموه النّاس جمعوا إليه كفرا آخر.
وفي ذلك كله (أنزل الله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} .. إلخ) ، كما قال البراء في آخر الحديث.
ولم يرد شئ منه على سبيل الاشتراط والتقييد، فمن قصر الآيات على معنى ـ من ذلك كله ـ دون غيره فهو مطالب بالدليل.
ومن ربط التشريع مع افتراء نسبته إلى الله؛ واشترط ذلك الربط في تكفير المشرعين، فقد اشترط شرطًا لم يشترطه الله. وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل.
ويزيد هذا وضوحا ما قدمناه عن الشنقيطي وغيره من أن الإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته وأن محكّم القوانين كعابد الأوثان، ويدل على هذا قوله تعالى كما في قراءة ابن عامر من السبعة {ولا تشرك في حكمه أحدا} بصيغة النهي، فإنه يبين بوضوح أن الإشراك بالله كما هو موجود في أنواع العبادة فكذلك موجود في باب الحكم والتشريع، ويكون ذلك بقبول بعض التشريع من الله، وبعضه مما لم يأذن به الله من غيره سبحانه؛ ولا يشترط أن ينسب تشريع ذلك الغير إلى الله حتى يكون مشركا؛ تماما كالذي