ويقول ابن حزم: (بعض الكفر أعظم وأشدُّ وأشنع من بعض وكلُّه كفر وقد أخبر الله تعالى عن بعض الكفر أنَّه: {تكادُ السمواتُ يتفطرنّ منهُ وتنّشقُ الأرضُ وتخِرُّ الجبالُ هدّا} وقال عز وجل: {هل تُجزونَ إلاّ ما كنتم تعملون} ثم قال: {إنَّ المنافقينَ في الدركِ الأسفلِ من النّار} وقال تعالى: {أدخلوا آل فرعونَ أشدّ العذاب} ) [1]
ويقول أيضا في الفصل (3/ 245) عند قوله تعالى {إنّما النسيءُ زيادةٌ في الكفر} :
(وبحكم اللغة التي نزل بها القرآن أن الزيادة في الشيْ لا تكون ألبتّه إلاّ منه، لا من غيره، فصح أن النّسيء كفر، وهو عمل من الأعمال، وهو تحليل ما حرّم الله تعالى فمن أحلّ ما حرّم الله تعالى وهو عالم بأن الله تعالى حرّمه فهو كافر بذلك الفعل نفسه) انتهى.
وتأمّل تركيزه على (الفعل نفسه) لأنَّ المراد، الرد على أهل التجهم والإرجاء الذين لا يُكفّرون إلاّ بجحد القلب واعتقاده .. وتنبه إلى أنَّ المشركين لما كانوا يبدّلون الشهر الحرام بصفر، لم ينسبوا ذلك التبديل أو التحريم أو التحليل إلى الله، بل كان رجل من بني كنانة يأتي الموسم فينادي: أيها النّاس إني لا أعاب ولا أجاب، إنا قد حرّمنا صفر وأخرّنا المحرم.
وكانوا يعرفون في قرارة أنفسهم ويؤمنون أنَّ الشهور التي حرّمها الله هي رجب وذو القعدة وذو الحجّة والمحرم، وأنَّ النسيء هو تواطؤ واتفاق منهم، كي يواطئوا ويحافظوا على العدد الذي حرّمه الله عليهم، وهو أربعة شهور ومع هذا فقد حكم الله على ذلك بالكفر لاصطلاحهم واجتماعهم على ذلك التبديل.
فكان هذا كفرًا آخر، فوق كفرهم بالإسلام وكفرهم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وشركهم بالله.
ومعلوم أن الإفتراء على الله بنسبة الأحكام المخترعة إليه لم يكن موجودا عند أهل الكتاب جميعا، بل هو فعل فريق منهم كما قال تعالى: { .. وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} آل عمران
(1) الفصل: 3/ 256