الصفحة 109 من 188

ولذلك فإن ما فعله اليهود هنا كان كفرًا فوق كفر، أعني أنَّ فيه كفرين:

1 ـ تشريع ما لم يأذن به الله أو التواطؤ والإصطلاح على التشريع الكفري.

2 ـ ونسبة هذا التشريع الباطل إلى الله.

فالافتراء والكذب على الله كفر سواء كان في باب التشريع أم في باب ترك الحكم أو في أي باب آخر.

قال تعالى: {إنّما يفتري الكذبَ الذين لا يؤمنون بآيات الله ... } [1] .

وقال سبحانه وتعالى: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكفرين} 68 العنكبوت.

وقال عز وجل في شأن بعض المشرعين:

{ما جعلَ اللهُ من بحيرةٍ ولا سائبةٍ ولا وصيلةٍ ولا حام ولكنَّ الذين كفروا يفترونَ على اللهِ الكذبَ وأكثرهم لا يعقلون} [2]

فتارك حكم الله ـ أحيانًا ـ لشهوة أو لهوى ـ ذلك الصنف الذي نُفَصّل فيه لأنه ملتزم بشرع الله يدين به ولم يتول أو يعرض عنه بالكلية؛ والذي لا نُكفّره إلاّ أنْ يجحد أو يستحلّ، لو قال: (أنَّ فِعله في تلك الواقعة، هو من عند الله، أو هو حكم الله) ؛ لكفر، لأنَّه نسب الظلم والجور والهوى إلى الله سبحانه وتعالى عمّا يصفون.

ولذلك لا يجوز تقييد الكفر البواح، أو التشريع الطاغوتي بذلك، بحيث لا يكفر المشرِّع إلاّ إذا نسب تشريعه الكفري إلى الله كما يشترطه بعض أهل التجهم والإرجاء. [3] بل التشريع الطاغوتي بحدِّ ذاته كفر كما عرفت، ونسبة ذلك إلى الله افتراء عليه وزيادة في الكفر ... كما قال تعالى: {إنّما النسيءُ زيادةٌ في الكفر} .

(1) سورة النحل: الآية 105

(2) سورة المائدة: الآية 103.

(3) قال الحلبي في هامش مقدمته صفحة (16) : (وللإمام ابن العربي المالكي كلام آخر فيه بيان جيّد لمعنى التبديل قال في أحكام القرآن(2/ 624) : (إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوىً ومعصيةً فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السُنّة في الغفران للمذنبين) ثم قال الحلبي: وهو بهذا المعنى نفسه!! عند شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ كما سيأتي صفحة 16 - 18) انتهى.

قلتُ: إشارته إلى صفحة 16 - 18 يوهم أن شيخ الإسلام يرى التبديل على هذا المعنى فقط!! فإذا راجعت الموضعين الذين أشار إليهما، وجدته يتكلم في الموضع الأول: (فيمن لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله ومن استحلّ أن يحكم بين النّاس بما يراه هو عدلًا ... ومن لا يحكمون إلاّ بالعادات التي يأمر بها المطاعون .. ) أمّا في الموضع الثاني صفحة 18 فليس لشيخ الإسلام فيه كلام، بل كلامه في صفحة 19 وهو ما فصلناه من قبل في الردّ على مقدمة الحلبي .. (أن أهل السُنّة لا يُكفّرون أحدًا من أهل القبلة بذنب .. إلخ.) .. وقوله: (وكذلك يكفر بعدم اعتقاد وجوب الواجبات الظاهرة .. إلخ) . وليس في شئ من ذلك كله ذكر التبديل وأن شيخ الإسلام يراه على المعنى الذي فرح به الحلبي من كلام ابن العربي حيث أبرز ذلك منه بالحرف (الغامق) . وقال قبل كلامه: (فيه بيان جيد لمعنى التبديل) ثم قال بعده مباشرة: (وهو بهذا المعنى نفسه عند شيخ الإسلام) ، ولا يصلح هنا أن يُقال: نيّتي و قصدي!!؛ لأن القارئ إنما ينظر إلى المسطور وليس له سبيل إلى معرفة ما في الصدور، فليُضف هذا إلى تدليسات الحلبي الطويلة!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت