الصفحة 108 من 188

وفي الرواية الأخرى: (إ نَّ أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه ... ) .

وليس فيه أنّهم صرّحوا بأنَّ حكمهم أحسن من حكم الله، أو أنَّهم قالوا: إنَّ حكم الله تخلّف ورجعية، أو نحو ذلك ممّا يشترطه المرجئة لتكفير الطواغيت، بل كانت غايتهم وضع حد يجتمعون عليه ويلتزمون تطبيقه على الشريف والوضيع، لأنَّ الحد الذي في التوراة كانوا يقصرون تطبيقه على الوضيع.

-ثانيًا: وفي هذه الأحاديث فائدة أنَّ التشريع لا يكون بالتحليل والتحريم وحده .. أي ليس محصورًا في باب الأحكام التكليفية من تحريم أو حظر وإباحة وإيجاب ونحوه، بل ويدخل في ذلك أحكام الوضع والحدود ومقادير الأنصبة التي وضعها الله في المواريث والصدقات ونحوها. فمن شرَعَ أسبابًا وموانع أو حدودًا أو أحكاما لم يأذن بتشريعها الله تعالى، وجعلها شرعًا وقانونًا ألزم النّاس به وعاقب عليه أو به، فمثله مثل من حلّل الحرام أو حرّم الحلال.

لأنَّ اليهود هنا لم يُحلّوا الزنا .. بل كانوا يعتقدون أنَّه حرام ولو كانوا يرونه حلالًا لما وضعوا له عقوبة أيًّا كان نوعها.

وهذه الأحاديث تُبيّن بوضوح أنَّ اجتماعهم على حدٍّ غير حدِّ الله، مع اعتقادهم أنَّ الزنا حرام، كان هذا سبب نزول قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [1] .

-ثالثًا: قول عوامهم لمّا سألهم النبي صلى الله عليه وسلم: (أهكذا تجدون حدّ الزاني في كتابكم) قالوا: نعم، وفي الرواية الأخرى؛ أنَّ أحدهم وضع يده على آية الرجم ...

لا شك أنَّ هذا الافتراء على الله بحد ذاته كفر أكبر؛ سواء أكان في نسبة الكفر والتشريع الطاغوتي إلى الله أم في نسبة المعصية والمنكر أو الجور إليه؛ فكل ذلك تقوّل على الله وكذب وافتراء عليه؛ وقد جعله الله أعظم من الشرك في قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} .

(1) سورة المائدة: الآية 44

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت