ما قلتموه من أن تملك فلسطين لليهود بمقتضى هذا السلام المزعوم هو (تمليك مؤقت) مناف للحقيقة والواقع، لأن نصوص كل الاتفاقيات والمعاهدات تنص على أنه تملك أبدي بما في ذلك اتفاقية كامب ديفد من مصر، واتفاق غزة أريحا مع منظمة التحرير، واتفاقية وادي عربة مع الأردن، وأكثر هذه الاتفاقيات طموحا تلك التي تطالب باسترجاع ما احتل من فلسطين في حرب 1967 مقابل التنازل من العرب عن ما احتل في حرب 1948 وهذا هو ما يعنونه بقولهم (الأرض مقابل السلام) ولنفترض أن اليهود تنازلوا عما احتل سنة 1967 - وهذا في غاية الاستبعاد، لأنهم مصرون على أن القدس عاصمتهم الأبدية وهي مما احتل سنة 1967 - فبأي شرع يجوز إقرارهم على ما احتل من الأرض سنة 1948 مع أن الإجماع منعقد على بطلان أي عقد يتنازل بموجبه المسلمون ولو عن شبر من الأرض ليتملكه العدو؟
وإذا أردتم التأكد فما عليكم إلا مراجعة تلك الاتفاقيات، حتى لا تقولوا بغير علم (2) ، فهي صريحة في الاعتراف بسيادة العدو اليهودي الأبدية على ما احتل من فلسطين سنة 1948، لأنه بدون الاعتراف بذلك لن تكون لليهود أرض وبالتالي لن تكون لهم دولة يعقد معها الصلح والهدنة ويجوز معها التبادل الدبلوماسي والتجاري وغيرها من الأمور التي تقولون بجوازها معهم، لأنه من المعلوم أن كل أرض ما سمي بإسرائيل إما مما احتل في 1948 أو 1967 وليس لها أرض زائدة على ذلك، فكيف يقال مع كل هذا إن تمليكهم لتلك الأرض مؤقت مع أن جميع الأطراف يصفون ما يجري بأنه (سلام دائم وشامل) ؟!
إن الأمة عموما وأهالي فلسطين خصوصا كانوا ينتظرون منكم القيام بواجبكم الشرعي تحريضا على الجهاد واستنهاضًا للهمم له وحثًا للناس عليه وتأييدًا ودعما للناهضين بأعبائه من الأفراد والجماعات.
وما كانوا يتوقعون منكم مثل هذه الفتوى التي تؤثم المجاهدين لتحرير الأقصى وفلسطين، نعم تؤثمهم، بعملياتهم الجهادية ضد اليهود يخرقون اتفاق غزة أريحا الذي وقعه (ولي أمر المسلمين في فلسطين) كما زعمتم، وخرق اتفاق وقعه ولي أمر المسلمين لا يجوز!!
وبهذه الفتوى تثبطون وتصيبون بالإحباط أولئك الذين قدموا الآباء والأبناء والأخوان والأزواج شهداء في سبيل الله لتحرير القدس وفلسطين، لأنهم بمقتضى هذه الفتوى يكونون ماتوا على معصية لأنهم خرقوا اتفاقا عقده (ولي أمر المسلمين في فلسطين) هذا معنى كلامكم ومقتضى فتواكم، فهل تعون ما تقولون؟! أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟!
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
خامسا:
إن ما يبعث على الخوف والقلق ليس مجرد صدور هذه الفتوى منكم، ولكن الأدهى أن هذه الفتوى صدرت بمقتضى منهج متبع من قبلكم في إصدار مثل هذه الفتاوى، أهم ما يميزه:
1)أنه ينطلق من مبدأ مجاراة حكام السوء في أهوائهم السياسية، ومواقفهم على تصرفاتهم.
2)وفي سبيل ذلك يتعسف الأدلة ويلوي أعناق النصوص لتستجيب لتلك الرغبات.
3)وإذا لم تسعف النصوص القابلة لذلك في الواقعة والمعروضة أبهم الحكم بصورة يتوصل بها الحكام لمرادهم.
4)أنه قائم على الجهل بالواقع الذي هو مناط الحكم ولا تجوز الفتوى على جهل به (3) .
5)ولأنه مبني على رغبات الحكام المتقلبة فقد اتسم بكثير من التناقض والتعارض.
6)وقد أوردنا في رسالتنا السابقة من الأمثلة ما يشهد بصدق هذا الكلام.
ولا يخفى ما في هذا المنهج من البطلان الظاهر والفساد الجلي لأنه قائم على التشهي والمحاباة في إصدار الفتاوى.
وهذا - كما يقول ابن القيم رحمه الله: (حرام باتفاق الأمة، وهذا مثل ما حكى القاضي أبو الوليد الباجي عن بعض أهل زمانه ممن نصب نفسه للفتوى أنه كان يقول إن الذي لصديقي علي إذا وقعت له حكومة أو فتوى أن أفتيه بالرواية التي توافقه وهذا مما لا خلا ف بين من يعتد بهم في الإجماع أنه لا يجوز ... وهذا من أفسق الفسوق وأكبر الكبائر، والله المستعان) [إعلام الموقعين 4/ 211] .
هذا حكم المفتي الذي تشهى باختيار الأقوال التي توافقه، وقد قيل بها قبله، فما حكم من يتشهى بإنشاء أقوال وفتاوى مخالفة لإجماع السلف والخلف؟!
هذا ونؤكد أن ما ذكرناه من النقد ليس مقصودا لذاته، وإنما المقصود منه هو بيان الخطأ ليتجنب، وهذا هو منهج أهل العلم.
يقول الإمام النووي عن نفسه إنه التزم؛ (بيان رجحان ما كان راجحا وتضعيف ما كان ضعيفا، وتزييف ما كان زائفا، والمبالغة في تغليط قائله ولو كان من الأكابر، وإنما أقصد بذلك التحذير من الاغترار به) [المجموع شرح المهذب 1/ 5] .
ولذا فإننا ننبه الأمة إلى خطورة مثل هذه الفتاوى الباطلة وغير مستوفية الشروط، وندعوه إلى الرجوع في الفتوى إلى ألئك الذين جمعوا بين العلم الشرعي والاطلاع على الواقع، ولم تأخذهم في الله والصدع بالحق لومة لائم، فضاق بهم النظام ذرعا فواراهم في السجون، ورماهم خلف القضبان، وفصلهم من أعمالهم، ومنعهم حق الكلام.
كما نكرر دعوتنا لكم أيها الشيخ للخروج من خندق هؤلاء الحكام الذين سخروكم لخدمة أهوائهم وتترسوا بكم ضد كل داعية، ورموا بكم في وجه كل مصلح، ونخوفكم بما خوف الله به أفضل خلقه وخاتم رسله بقوله تعالى: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره، وإذا لاتخذوك خليلا، ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا، إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} (4) ، فإذا كان هذا التهديد من الله تعالى لأفضل خلقه حتى لا يركنن ولو شيئا قليلا، فكيف بمن ركن ركونا كثيرا، وأصابه ما أصابه من فتنتهم بسبب هذا الركون؟
كما نعظكم بحال أولئك الذين قال الله فيهم: {ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء مايزرون} (5) .