والتحقيق أن إيمان القلب يستلزم العمل بحسبه لا محالة، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر، ولهذا صاروا يُقدرون مسائل يمتنع وقوعها لعدم تحقق الارتباط الذي بين البدن والقلب، مثل أن يقولوا رجل في قلبه من الإيمان مثل ما في قلب أبي بكر وعمر وهو لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم رمضان، يقولون هذا مؤمن تام الإيمان" [1] ."
وليس من الضروري أن كل المرجئة يصرّحون بهذا، بل كل من لم يجعل الأعمال الظاهرة لازمة للإيمان، يثبت بثبوتها ويزول بزوالها كلية، فإنه يلزمه هذا، كما هو الحال بالنسبة (لأدعياء السلفية) ، فتنبه [2] .
والمقصود أن تقييد الإيمان بالتام جاء في هذا المقام المخصوص، ولكل مقام مقال.
ب- إن قول شيخ الإسلام مطابق لاعتقاد أهل السنة من الجهة التي يقصدها هو، لا من الجهة التي يريد (الحلبي) أن يلبسها له، فهذا الرجل لا يحسن فهم ما يورده من نصوص، فتراه يأتي بما ينسف اعتقاده وهو لا يدري.
فكون"إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه"حق، ولكن ما معنى ذلك؟
هل معناه أن العمل شرط كمال للإيمان، بحيث إذا زال بالكلية بقي الشخص مؤمنا ناقص الإيمان كما يزعم (الحلبي) ؟
(1) ابن تيمية، الإيمان، ص203.
(2) يؤكد شيخ الإسلام على أن من لم يجعل عمل الجوارح لازمة للإيمان (واللازم هو شرط الصحة كما بينا سابقًا) ، يلزمه ما يلزم المرجئة، وهذه نكتة تبين حقيقة مذهب (أدعياء السلفية) فيقول:
"يلزمهم ويلزم المرجئة، أنهم قالوا: إن العبد قد يكون مؤمنا تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء والصديقين، ولو لم يعمل خيرا لا صلاة ولا صلة ولا صدق حديث، ولم يدع كبيرة إلا ركبها، فيكون الرجل عندهم، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، وهو مصر على داوم الكذب والخيانة ونقض العهود، لا يسجد لله سجدة، ولا يحسن إلى أحد حسنة، ولا يؤدي الأمانة، ولا يدع ما يقدر عليه من كذب وظلم وفاحشة إلا فعلها، وهو مع ذلك مؤمن تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء، وهذا يلزم كل من لم يقل أن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان الباطن" [مجموع الفتاوى، 7/ 584] .
وقد سبق قوله في بيان معنى اللازم:"ولهذا ينفي الله الإيمان عمن انتفت عنه لوازمه، فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم" [مجموع الفتاوى، 18/ 153] .