وأما إن زعم أن (نفي الخير) في الحديث عام مخصوص، أي أن الذين نالتهم شفاعة أرحم الراحمين لم يعملوا خيرا قط إلا الإقرار بالشهادتين والتوحيد، قلنا له:
من أين لك هذا التخصيص؟!
فإن قال من نفس الحديث، لم نسلّم له بذلك، لأن لفظ الحديث ليس فيه إلا النفي العام.
وإن قال: من نصوص أخرى، أبطل احتجاجه بنفسه، وقلنا له:
فكذلك ينبغي تخصيص هذا الحديث بالنصوص التي حكمت بكفر من تولى عن العمل كلية، والنصوص التي علقت دخول الجنة على العمل الصالح؛ فيصير معنى الحديث (أنهم لم يعملوا عملا أو خيرا يكفي لنجاتهم من النار ودخولهم الجنة) فأدخلهم الله الجنة برحمته. وهذا هو الموافق للأصول الكلية التي ثبتت بالكتاب والسنة وإجماع السلف.
ولا تحسبن -أيها القارىء الكريم- أن هذا التخصيص الذي ذهبنا إليه درءًا لهذه الشبهة المؤصلة لعقيدة الإرجاء، لا تحسبن أنه بدعة من القول، فقد رد به أئمة السنة هذه الشبهة نفسها لما تذرّع بها المرجئة الأوائل، إذ هي شبهة قديمة حديثة.
قال إمام الأئمة أبو بكر بن خزيمة رحمه الله تعالى:
" (باب ذكر الدليل أن جميع الأخبار التي تقدم ذكري لها إلى هذا الموضع في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم في إخراج أهل التوحيد من النار إنما هي ألفاظ عامة مرادها خاص) " [1] .
ثم قال بعد ذلك:"هذه اللفظة: (لم يعملوا خيرا قط) ، من الجنس الذي تقول العرب بنفي الاسم عن شيء لنقصه عن الكمال والتمام، فمعنى هذه اللفظة على هذا الأصل: لم يعملوا خيرًا قط على التمام والكمال، لا على ما أوجب عليه وأمر به" [2] .
(1) ابن خزيمة، كتاب التوحيد، 2/ 727.
(2) ابن خزيمة، المرجع السابق، 2/ 732.