الكتاب والسنة بفهم السلف)، فلماذا خالفوا ما يدعون إليه في هذا الباب العقدي الخطير؟! وغرروا بالأغرار؟!
ولو صح أن في الحديث دلالة على أن العمل ليس شرطا في الإيمان وأن تاركه بالكلية ليس بكافر لكان ينبغي حمله على ما يوافق ما أجمع عليه السلف وأن لا يُعترض به على الأصول الكلية، هذا لو سلمنا بدلالته على ما فهمه (أدعياء السلفية) ؛ وفي هذا يقول الإمام الشاطبي رحمه الله:"لا يمكن أن تعارض الفروع الجزئية الأصول الكلية، لأن الفروع الجزئية إن لم تقتضي عملا فهو في محل التوقف، وإن اقتضت عملا فالرجوع إلى الأصول هو الصراط المستقيم، فمن عكس الأمر حاول شططًا ودخل في حكم الذم" [1] .
ويقول أيضًا:"يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب، وأقوم في العلم والعمل" [2] .
ثانيًا، لقد سبق التنبيه على أن الاستدلال ببعض بالعمومات دون النظر فيما يخصصها من نصوص الشرع أو غيرها من آليات التخصيص المبينة في الأصول، هو من شيم أهل البدع، فراجع ما نقلناه سابقا عن الإمام الشاطبي.
فلفظ (الخير) أو (العمل) الوارد في حديث (الجهنميين) الذين أدخلهم الله تعالى الجنة من غير أن (يعملوا خيرا قط) و (بغير عمل عملوه) ، هو من صيغ العموم، لأنه نكرة في سياق النفي؛ فيلزم الخصم أمران لا ثالث لهما:
إما أن يكون هذا العموم مخصوصا، وإما لا؟
فإن ادعى أن هذا اللفظ العام غير مخصوص، فيلزمه أن من لم يعمل خيرا قط بما في ذلك التوحيد، مشمول بالشفاعة الواردة في الحديث!! وهذا أمر منكور، فيه التكذيب الصريح لما ثبت في النصوص الشرعية وما علم من الدين بالضرورة من أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة.
(1) الشاطبي، الاعتصام، 1/ 174.
(2) الشاطبي، الموافقات، 3/ 57.