بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) [1] ، فهذا نص جلي وخطاب للمؤمنين بأن إيمانهم يبطل جملة وأعمالهم تحبط برفع أصواتهم فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم دون جحد كان منهم أصلًا، ولو كان منهم جحد لشعروا به، والله تعالى أخبرنا بأن ذلك يكون وهم لا يشعرون، فصح أن من أعمال الجسد ما يكون كفرًا مبطلًا لإيمان فاعله جملة، ومنه ما لا يكون كفرًا، لكن على ما حكم الله تعالى به في كل ذلك ولا مزيد" [2] ."
ويرد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى على من يزعم أن الكفر لا يكون إلا بشرح الصدر بالكفر، داحضًا الفهم الإرجائي السقيم لقوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا) [3] ، فيقول:
"لو كان التكلم بالكفر لا يكون كفرًا إلا إذا شرح به الصدر لم يستثن المكره، فلما استثنى المكره عُلِم أن كل من تكلم بالكفر غيره مكره فقد شرح به صدرا، فهذا حكم وليس بقيد" [4] .
ويقول أيضًا:
"ومعلوم أنه لم يرد بالكفر هنا اعتقاد القلب فقط، لأن ذلك لا يكره الرجل عليه، وهو قد استثنى من أُكره."
ولم يرد من قال واعتقد، لأنه استثنى المكره، وإنما يكره على القول فقط.
فعلم أنه أراد من تكلم بكلمة الكفر فعليه غضب من الله وله عذاب أليم، وأنه كافر بذلك إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن من شرح بالكفر صدرا من المكرهين فإنه كافر أيضًا. فصار من تكلم بالكفر كافرًا، إلا من أكره فقال بلسانه كلمة الكفر وقلبه
(1) سورة الحجرات، الآية2.
(2) ابن حزم، المرجع السابق، 4/ 218 - 220.
(3) سورة النحل، الآية106.
(4) ابن تيمية، مجموع الفتاوى،