ويقول رحمه الله تعالى:
"قال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ) [1] ، فنص تعالى على أن من الكلام في آيات الله ما هو كفر بعينه مسموع، وقال تعالى: (قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ) [2] ."
فنص تعالى على أن الاستهزاء بالله تعالى وآياته أو برسول من رسله كفر مخرج عن الإيمان، ولم يقل تعالى في ذلك أني علمت أن في قلوبكم كفرًا، بل جعلهم كفارًا بنفس الاستهزاء، ومن ادعى غير ذلك فقد قوّل الله تعالى ما لم يقل وكذب على الله تعالى" [3] ."
ويضرب ابن حزم مثالا لما يقوله الجهمية والأشعرية ومن سلك سبيلهم، فيقول:
"مثل هذا أن يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يدخل هذه الدار اليوم إلا كافر، أو يقول كل من دخل هذه الدار اليوم فهو كافر، قالوا [أي المرجئة ومن نحا نحوهم] : فدخول تلك الدار دليل على أنه يعتقد الكفر لا أن دخول الدار كفر."
قال أبو محمد: وهذا كذب وتمويه ضعيف بأن دخول تلك الدار في ذلك اليوم كفر محض مجرد، وقد يمكن أن يكون الداخل فيها مصدقا بالله تعالى وبرسوله صلى الله عليه وسلم إلا أن تصديقه ذلك قد حبط بدخول الدار، برهان ذلك أنه لا يختلف اثنان من أهل الإسلام في أن دخول تلك الدار لا يحل البتة لعائشة ولا لأبي بكر ولا لعلي ولا لأحد من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ولا لأحد من أصحابه رضي الله عنهم، كما أن الله قد نص على أنه علم ما قي قلوبهم وأنزل السكينة عليهم، وإذ ذلك كذلك فقد وجب ضرورة أن هؤلاء رضي الله عنهم لو دخلوا تلك الدار لكانوا كفارا بلا شك بنفس دخولهم فيها ولحبط إيمانهم، فإن قالوا لو دخلها هؤلاء لم يكفروا كانوا هم قد كفروا، لأنهم بهذا القول قاطعون بأن كلامه صلى الله عليه وسلم كذب في قوله لا يدخلها إلا كافر ... قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ
(1) سورة النساء، الآية 140.
(2) سورة التوبة، الآيتان 65 - 66.
(3) ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل، 4/ 204.