فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 201

فهل يُتصور أن يكون هذا القائد مسلمًا إن رضي بالأمر وظاهر الكفار وقادهم في غزوتهم هذه أم أنه كافر مرتد ولا بد، وهل يتصور فيه إن قبلَ أنه محب لله ولرسوله ولدينه معظم للكعبة عارف لقدرها موالٍ للمؤمنين متبرئ من الكفر وأهله أم أنه بالضد من ذلك كله، وأن قيامه بهذه المظاهرة مستلزم ولا بد خلوَّ قلبه من أصل الولاء والبراء المنجي والذي لا يكون المؤمن مؤمنًا إلا به، وأن محبة الدنيا وزخرفها وزينتها قد غلبت على قلبه، فأضحى حب الله ورسوله ودينه في خبر كان، وقل الأمر نفسه فيمن رضي أن يقاتل مع أهل الكفر أهل المدينة ليهدموا مسجده صلى الله عليه وسلم ويستخرجوا جثمانه الشريف وتكون المدينة النبوية مدينة كفر وفسوق، فهل يكون هذا المقاتل مع أولئك الكفار إلا كافرًا، وإن ادعى أنه مبغض لدين الكفار بل ومبغض لهم وأنه ما قاتل معهم إلا استعجالًا لدنيا يصيبها أو متاعًا يحصله، فهل يصلح أن تكون الرغبة في الدنيا عذرًا في درء حكم التكفير عن مثل هذا والحكم له بأنه من جملة المؤمنين، أم سيكون بقتاله هذا من جملة الكافرين ولا بد، ولو قدر أن مسلمًا خرج مع الكفار مقاتلًا أهل الإسلام رغبة في الدنيا وطلبًا لزينتها فأظهروا أمرهم، وأقاموا دولتهم، وحكمّوا شرعتهم، وقلبوا دار الإسلام دار كفر، ونشروا الشرك والكفر في الخافقين، أيكون من عاونهم على تحقيق قبائحهم هذه مسلمًا محبًا لله ورسوله وعباده الصالحين مع ما حصل بسببه من هذه القبائح والكفريات، وهل الصد عن سبيل الله والسعي في إطفاء نور الله وشرعته إلًا كفرًا بغير شك ولا ارتياب، فليت شعري هل حرب المسلمين وقتالهم مع الكافرين إلا هذا حقيقة، أم أنه لا يكون كفرًا حتى يريده ويقصده، فهو يريد ما يحققه ويوصل إليه، وهل ينفك هذا عن هذا، واعتبر في هذا بما جرى على دار الإسلام (الأندلس) حين قاتلَ النصارى أهلَها فأخرجوهم منها بعد التقتيل والتشريد، وأحالوها حتى يومنا هذا دار كفر يسوسها الكفار بشرعهم وقانونهم، أرأيت أولئك المظاهرين لهم على صنيعةِ السوء هذه يكونون بصنيعهم هذا مسلمين مؤمنين أم أنهم ولا شك ممن (اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ) فأضحوا بجريمتهم هذه كافرين، وهذا المعنى ظاهر في كلام ابن تيمية رحمه الله لما ابتلي المسلمون في زمانه بأمر التتار، فقال مبينًا حكم مظاهرتهم على المسلمين منبهًا إلى ما تجره هذه المظاهرة من ويلات وبلايا: (كل من قفز إليهم -يعني التتار- من أمراء العسكر وغير الأمراء فحكمه حكمهم، وفيهم من الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الإسلام، وإذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين- مع كونهم يصومون ويصلون ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين، فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلًا للمسلمين؟ مع أنه والعياذ بالله لو استولى هؤلاء المحاربون لله ورسوله المحادون لله ورسوله المعادون لله ورسوله على أرض الشام ومصر في مثل هذا الوقت لأفضى ذلك إلى زوال دين الإسلام ودروس شرائعه) [الفتاوى 28/ 530] ، ويقول رحمه الله: (فهذا وغيره مما يبين أن هذه العصابة التي بالشام ومصر في هذا الوقت هم كتيبة الإسلام وعزهم عز الإسلام

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت