فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 201

شتان بين رجل يظاهر الكفار على المؤمنين، ويقف بسيفه في صفهم، ويسعى لغلبتهم، و لا يبالي بأن يؤدي فعله هذا إلى ظهور الكفار على المؤمنين، وعلو الكفر على الإيمان، وآخر يفعل فعلًا يعتقد أنه لا يُحقق ذلك الظهور، وإن كان هذا الفعل محل مؤاخذة، وذنبًا ومعصية، وهو من الموالاة المحرمة.

وبما سبق يتبين أن حاطبًا ما قصد الفعل المكفر ولا واقعه -أعني مظاهرة المشركين على المؤمنين-، بل قصد فعلًا لا يكون فيه ظهور للمشركين على المؤمنين، فالمناط غير المناط، والبحث غير البحث.

وأما اتهام عمر رضي الله عنه لحاطب بالكفر والنفاق فقد وقع بناء على ظنه أن حاطبًا رضي الله عنه فد تلبس بالمناط المكفر ووقع في المظاهرة التي يكفر صاحبها، فلما استجلى النبي صلى الله عليه وسلم الأمر ظهر أن حاطبًا ما أقدم على ما أقدم عليه إلا لاعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم منصور وأن إفشاء سر النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عن غشٍّ أو نفاق أو شروعٍ في ظهور الكفر على الإسلام، بل كان فعله لأجل مصلحةٍ يجنيها توهَّم ألا ضير كبيرًا فيها على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على الإسلام والمسلمين، مع علمه بحرمة ما صنع كونه إفشاءً لسر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن فيه إظهارًا لنوع موالاة للكافرين. فكان حكم عمر بناءً على ما علمه من حكم المظاهرة، والنبي صلى الله عليه وسلم مقرٌ لعمر على هذا الحكم (حكم المظاهرة) ، وحاطب يعرف صحة هذا الحكم لكنه يرى أنه ما واقع المناط المكفر لأنه فعل ما فعل مع علمه ويقينه أن الله ناصر نبيه صلى الله عليه وسلم. فكيف يسوَّى بين من هذا حاله، وبين حالِ من يعلم -ولا يبالي- أنه بفعله سيبيد خضراء المسلمين وينصر الكفر والشرك وينشره في الأرض، كما هو مقتضى قول من يطلق القول بأن المظاهرة العملية كلها ذنبٌ دون الكفر؟!

ففرق كبير واضح وجلي بين أن يكون المرء من أنصار الطواغيت وأعداء الدين ومن جواسيسهم الذين هم عيونهم وآذانهم وشوكتهم فيعمل ليل نهار على تثبيت دولهم وكفرهم ويظاهرهم على أعدائهم ولو كانوا من خيار الموحدين، وبين من كان جنديا من جنود الإسلام ومن خلاصة أنصار المسلمين؛ لكنه ضعف وزل زلة متأولا أن لا ضرر على المسلمين في هذه الزلة فأفشى سرا لهم، فالأول هو الذي يوصف بأنه تجسس للكفار ويسمى بجاسوس أو عين المشركين، أما الثاني فلا يحل وصفه بذلك بحال من الأحوال، ولذلك فقد أحسن البيهقي في سننه وأجاد؛ حين بوب لقصة حاطب بقوله: (باب: المسلم يدل المشركين على عورة المسلمين) (9/ 146) ، وبعد ذلك مباشرة بوب بقوله: (باب الجاسوس من أهل الحرب) (9/ 147) لكنه أورد في هذا الباب حديث عين المشركين الذي قتله سلمة بن الأكوع بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ونفله سلبه، وكذا حديث فرات بن حيان، فتأمل التفريق بين من كان بالفعل جاسوسا وعينا للمشركين ويتجسس نصرة لهم وإضرارا بالمسلمين، وتأمل حكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت