الكفار في دينهم. وهذا التصوير لما وقع فيه حاطب تصوير لا يخلو من أخذ ورد، فمما ينبغي مراعاته وملاحظته في قصة حاطب رضي الله عنه ما يلي:
1 -أن حاطبًا قد ناصر النبي صلى الله عليه وسلم على أعدائه بنفسه وماله فيما سبق هذه الحادثة وهو لا زال على نصرته هذه، مظاهرًا للنبي صلى الله عليه وسلم على أعدائه طالبًا رضا ربه بالخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم لفتح مكة، فله من نصرة المؤمنين على الكافرين نصيب وافر، بل هو الأصل في نصرته وجهاده، بخلاف من كانت نصرته خالصة لأهل الكفر على أهل الإيمان فكيف يجعل حكم من أبدى خبرًا للكفار مع مناصرته لأهل الإسلام بنفسه وماله كحكم من ناصرهم بنفسه وماله ورأيه وما يملك!! يقول الإمام ابن القيم عليه رحمة لله: (تأمل قوة إيمان حاطب التي حملته على شهود بدر وبذله نفسه مع رسول الله صلى الله عليه و سلم وإيثاره الله ورسوله على قومه وعشيرته وقرابته وهم بين ظهراني العدو وفي بلدهم ولم يثن ذلك عنان عزمه ولا فل من حد إيمانه ومواجهته للقتال لمن أهله وعشيرته وأقاربه عندهم) [زاد المعاد 3/ 436] .
2 -أن غاية ما بدر من حاطب من موالاة محرمة أن خابر قريشًا بخبر مسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد رغبَ بأن يظل أمر خروجه سرًا، وإفشاؤه الحالة هذه لا شك أنه ذنب ومعصية، لكنه رضي الله عنه لم يتجاوز ذلك الإخبار بقول أو فعلٍ زائد يكون فيه مظاهرة لهم على النبي صلى الله عليه وسلم فرسالة حاطب رضي الله عنه لكفار مكة ليست من المظاهرة والإعانة لهم على المسلمين في شيء، فقد روى بعض أهل المغازي كما في (الفتح 7/ 520) أن لفظ الكتاب: أما بعد، يا معشر قريش، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءكم بجيش كالليل، يسير كالسيل، فوالله لو جاءكم وحده لنصره الله وأنجز له وعده، فانظروا لأنفسكم والسلام). وليس في هذا ما يفهم منه أنه مظاهرة ومناصرة لهم بل هو أقرب إلى يكون تهديدا وتخويفا لهم، ومع ذلك فهو قد عصى الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابته لهم، وهي معصية كبيرة كفرتها عنه سوابقه، فكيف يقاس عليه من تجاوزه رضي الله عنه بأن جمز إلى معسكر الكفار واصطف معهم لقتال أهل الإسلام.
3 -أن حاطبًا قد فعل فعلًا ظن فيه مصلحة له وأنه لا ضير فيه على المسلمين، إذ إنه ما فعل ما فعل إلا وهو معتقد أن الله ناصر نبيه صلى الله عليه وسلم، مظهر لدينه، معل لكلمته، وهو ما صرح به رضي الله عنه حيث قال: (أما إني لم أفعله غشا لرسول الله صلى الله عليه وسلم -وقال يونس غشا يا رسول الله- ولا نفاقا قد علمت أن الله مظهر رسوله ومتم له أمره غير أني كنت عزيزا بين ظهريهم وكانت والدتي منهم فأردت أن أتخذ هذا عندهم) [رواه الإمام أحمد في المسند 14360، قال الحافظ ابن كثير: (صحيح على شرط مسلم) البداية والنهاية 2/ 284، 231] ، ويقول ابن تيمية وقد ساق حديث حاطب رضي الله عنه ثم قال: (وفي لفظ -أي لحديث حاطب-:(وعلمت أن ذلك لا يضرك) ، يعني لأن الله ينصر رسوله والذين آمنوا) [الفتاوى 35/ 67] ، فشتان