وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جرير بن عبدالله البجلي، وهو من مشاهير الصحابة، وكان لقبيلته بجيلة وخثعم صنم ومعبد كبير يسمونه ذا الخلصة، يضاهون به الكعبة، فكانوا يقولون للكعبة الكعبة الشامية، ولمعبدهم الكعبة اليمانية، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا لجرير: ألا تريحني من ذي الخلصة؟ فشكا إليه أنه لا يثبت على الخيل، فضرب بيده الكريمة في صدره وقال: اللهم ثبته واجعله هاديًا مهديًا، فلما يسقط بعد ذلك عن فرس.
ونفر جرير إلى ذي الخلصة في خمسين ومائة راكب من قومه أحمس - فرع من بجلية - فخرب ذلك البيت، وأحرقه، وتركه مثل الجمل الأجرب، وبعث أبا أرطاة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبشره بذلك، فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالبركة لخيل أحمس ورجالها، خمس مرات.
وبينما استتب الأمن والإسلام في اليمن، وعمال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرون في جميع جهاته إذ ظهر الأسود العنسي من بلدة كهف حنان في سبعمائة مقاتل، يدعي لنفسه النبوة والأمر، وتقدم إلى صنعاء واحتلها، ثم تفاقم أمره، واشتدت فتنته، وقوي ملكه، حتى انحاز عمال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض الأشعريين، وعامله المسلمون بالتقية، واستمر ذلك ثلاثة أشهر، أو أربعة أشهر، ثم احتال عليه فيروز الديلمي وزملاؤه من الفرس، وكانوا قد أسلموا، فقتله فيروز، واحتز رأسه، ورماه خارج الحصن فانهزم أصحابه، وظهر الإسلام وأهله، وتراجع نواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أعمالهم، وكتبوا بذلك إليه - صلى الله عليه وسلم -.
وكان قتله قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بيوم وليلة، فأتاه الوحي، فأخبر به أصحابه، ثم وصل الكتاب في زمن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -.