وما ينطبق على مسألة أبي بكر مع المشركين ينطبق على مسألة ركانة، فقد كان هذا من أشد الناس قوة في جسمه؛ فطلب من النبي أن يصارعه على ثلث غنمه وقال: يا محمد إن صرعتني آمنت بك فصارعه رسول الله فصرعه عدة مرات فأسلم على الفور. وقيل إنه أسلم عام الفتح وقد رد عليه رسول الله غنمه كلها (1) .
والاستدلال بهذه القصة -كما هو في قصة أبي بكر -رضي الله عنه- أن ركانة كان مشركًا وقد راهنه رسول الله في مكة وهي ما زالت تحت المشركين، فاقتضى هذا جواز الرهان مع المشركين في ديارهم، وما يجوز فيه الرهان في دار الشرك يجوز فيه الربا ... ويرد على هذا أن هذه الحادثة كانت قبل نزول تحريم الرهان، ولم يكن هدف نبي الله الحصول على غنم ركانة، بل كان هدفه أن يبين أن قوة الإسلام المتمثلة في جسده عليه الصلاة والسلام تصرع الوثنية والشرك المتمثلة في جسد ركانة، ولهذا رد عليه الصلاة والسلام غنمه تكرمًا منه. وما كان رسول الله ليفعل ذلك إلا لهذا السبب مع كرهه عليه الصلاة والسلام لهذا الرهان، حتى قبل نزول تحريمه بوصفه وجهًا من وجوه الميسر وعملًا فاسدًا من أعمال الجاهلية.
والمحرم يبقى على تحريمه في إطلاقه -مالم يستثن منه وليس هنا استثناء- ولا يتأثر هذا التحريم بالزمان أو المكان؛ فنحن حين نقول إن الزنى محرم ندرك حكمًا وعقلًا أن الله حين حرمه أراد حماية عباده من الفحشاء، واختلاط الأنساب، والأمراض، وإذا خفيت هذه الحكمة على أناس بحكم جهلهم بحقيقة مراد الله فقد شاهدوا أثرها في هذا الزمان من خلال انتشار الأمراض القاتلة في مرتكبي الفواحش من الزناة ونحوهم.