قلت:فلم نجد لهم رواية ثابتة جاءت من طريق صحيح لإثبات إباحة المدينة،بالرغم من أنّ شيخ الإسلام ابن تيمية (1) ، والحافظ ابن حجر (2) - رحمهما الله - قد أقراّ بوقوع الاغتصاب، ومع ذلك لم يوردا مصادرهم التي استقيا منها معلوماتهما تلك، ولا يمكننا التعويل على قول هذين الإمامين دون ذكر الإسناد، فمن أراد أن يحتج بأي خبر كان فلا بد من ذكر إسناده، وهو ما أكده شيخ الإسلام ابن تيميّه حينما قال في المنهاج:"لا بد من ذكر (الإسناد) أولًا، فلو أراد إنسان أن يحتج بنقل لا يعرف إسناده في جُرْزَةِ (3) بقل لم يقبل منه، فكيف يحتج به في مسائل الأصول (4) "ا. هـ. فكيف نقبل الحكم الصادر على الجيش الإسلامي في القرون المفضلة بأنه ينتهك العرض دون أن تكون تلك الروايات مسندة، أو لا يمكن الاعتماد عليها! ثم على افتراض صحتها جدلًا فأهل العلم حينما أطلقوا الإباحة فإنما يعنون بها القتل والنهب كما جاء ذلك عن الإمام أحمد (5) ، وليس اغتصاب النساء، فهذه ليست من شيمة العرب، فمن المعلوم أن انتهاك العرض أعظم من ذهاب المال، فالعرب في الجاهلية تغار على نسائها أشد الغيرة، وجاء الإسلام ليؤكد هذا الجانب ويزيده قوة إلى قوته، واستغل الرافضة هذه الكلمة - الإباحة - وأقحموا فيها هتك الأعراض، حتى أن الواقدي نقل بأن عدد القتلى بلغ سبعمائة رجل من قريش والأنصار ومهاجرة العرب ووجوه الناس، وعشرة آلاف من سائر الناس! وهو الذي أنكره شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله- فقال: لم يقتل جميع الأشراف، ولا بلغ عدد القتلى عشرة آلاف، ولا وصلت الدماء إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -" (6) ا. هـ."
(1) الوصية الكبرى 45.
(2) الإصابة 6/ 295.
(3) الجرزة: القبضة من القت ونحوه أو الحزمة - المصباح المنير - مادة جرز - ص 37.
(4) منهاج السنة النبوية 8/ 110.
(5) السنة للخلال 845.
(6) منهاج السنة 4/ 575 - 576.