فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 159

بل إن الناقد السعودي المعروف عبدالله الغذامي في كتابه الخطيئة والتكفير حين شرح أسس السيميولوجيا نقل نقلًا عن الإمام أبي حامد الغزالي وقارنه بما وصلت إليه السيميولوجيا الحديثة ثم ذكر أنه يبدو أن السيميولوجيا الحديثة لم تكد تتقدم شيئًا بعد الغزالي!

وما نقله الغذامي عن الغزالي مبثوث عند غيره من علماء التراث, وأحيانًا بشكل أكثر تفصيلًا.

والمقصود هاهنا ذكر أن أكثر هذه التقنيات التفسيرية الحديثة لم تأخذ دويها الاعلامي بسبب جدتها بقدر ما هو مغالاتها في تحويل الدافع الطبيعي إلى عامل حاسم ومطلق يجيب على كل الظواهر.

وقد سبقت الاشارة الى أن الأداتين المفضلتين في خطاب أنسنة التراث هما أداتي التسييس والمديونية, بل كادا أن يكونا محور تلك الأطروحات التفسيرية كلها, بحيث تؤول اليهما كل تلك النتائج.

والجدير بالذكر أن الأصول الرئيسية لتلك التأويلات هي أصلًا اطروحات استشراقية مبكرة رددها كبار المستشرقين أمثال شاخت ونللينو وجولدزيهر وغيرهم, وإنما كان الدور الجوهري الذي لعبه الفرانكفونيون العرب هو دور"الشراح"الذين أعادوا صياغة وترتيب تلك النتائج, وأكثروا من التنويع عليها, وغالب الاضافة لدى الشراح العرب إنما هي استلهام النماذج الاستشراقية في تطبيقات جديدة, أو اكتشاف شواهد جديدة لتلك النظريات التفسيرية, أما التخلص من طوق تلك الآليات الاستشراقية واستكشاف دور"النص"في تشكيل الحياة العامة للتاريخ الاسلامي فهو نادر فيهم.

والواقع أن أداة"المديونية"بمعنى تتبع حضور الآخر في الذات, أي استكشاف أثر الثقافات السابقة على الثقافة اللاحقة هي في أصلها جزء من منظومة الأدوات العلمية لتحليل الخطاب, وقد وظفها المبدعون في التراث الاسلامي بشكل رائع ولكن دون مغالاة ولاتعسف ولاتكلف, بل باعتبارها عامل ضمن شبكة عوامل مركبة, لا باعتبارها العامل الحاسم, ولابتكلف رد كل شئ اليها.

فالدراسات الاستشراقية -وتبعًا لذلك شراحها من الفرانكفونيين العرب- تحاول رد كل مفاهيم التراث الاسلامي التشريعية والسلوكية الى الثقافات السابقة للاسلام وتصوير التراث كحالة اقتراض ثقافي, ويستبعدون الوحي من أن يكون منبعًا لتلك التصورات.

بينما لم يكن علماء التراث الاسلامي بهذه المغالاة والتطرف, بل تحدثوا كثيرًا عن ماكان الأئمة يسمونه"علوم الأوائل"وانتقدوا استمداد بعض مفاهيم علم الكلام وأصول الفقه والتصوف منها, ولكنهم لم يشطبوا الوحي والنص من دوره الجوهري في تشكيل التراث, وهذا يؤكد ماسبقت الاشارة اليه من الفارق بين بنية الاعتدال الاسلامي وبنية الغلو المعرفي الغربي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت