فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 159

وهذه المقارنة تكشف بجلاء أن مالدى هذه التفسيرات الاستشراقية وشراحها العرب من الحق فقد قرره علماء التراث الاسلامي, وماأضافوا الى ذلك فأغلبه فروض واحتمالات باطلة, تستند في غالبها الى التشابه الفيلولوجي لا إلى المستند التاريخي.

ومن أكثر أسباب هذا الضلال الاستشراقي غياب الوعي بمعطيين أساسيين, أولهما: دور النبوات وبقايا الكتب السماوية في تشكيل ثقافات الأمم السابقة للاسلام, وثانيهما: حجم المفاهيم المشتركة بين الكتب السماوية كما في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد) .

وتبعًا لهذين المعطيين فإن جزءًا كبيرًا من ظاهرة التشابه المفاهيمي بين ثقافات الأمم المتأثرة بالنبوات ليس نتيجة اقتراض ثقافي بينها, بقدر ماهو انعكاس لمصدر متقارب المفاهيم, بل يصل أحيانًا لحد التطابق.

وأما أداة"التسييس"وهي التنقير عن الخلفيات السياسية للخطاب التراثي فأكثرها افتراضات وتهويلات وسوء ظن, وحين نتأمل في ظاهرة التفسير المادي/السياسي للتراث فاننا نشعر بالألم من حالة"التناقض التفسيري"الذي يقع فيه غلاة المدنية.

ففي قراءة التراث يميلون الى تقديم قراءة تاريخانية تحيل الافكار الى خلفيات السياق الاجتماعي والسياسي, فيفسر علم الفقه بصراعات القوى, وعلم العقيدة بمعارك المذاهب, وعلم الحديث بطلب السوق, وعلم التفسير بالموروث الثقافي, وهكذا.

بينما في قراءة الفكر الغربي لاتتم قراءته بمنظور تاريخاني يكشف البعد الذاتي, بل تتم قراءته بنيويًا باعتباره مجرد نسق ثقافي نقي متعالٍ, ومعزول عن الخلفيات والدوافع البشرية والسياسية والعنصرية, فيصور باعتباره مجرد فلسفة تستهدف الاستنارة والسلام الانساني وسعادة البشرية.

ومقارنة هذين المشهدين تشي بالتناقض المذهل في نظرية التفسير, فلايمكن تصور أن تكون حضارة كاملة تقرأ تاريخانيًا, وحضارة أخرى تقرأ بنيويًا, فتفاوت التقنية التأويلية بهذا التناقض الحاد يكشف عن انحيازات نفسية عميقة أكثر من كون الخطاب رؤية معرفية.

والمتأمل في خطاب غلاة المدنية واللغة التي يعبرون بها عن منجزات الفلسفة الغربية والهالة التي يحيطون بها الأعلام الأوروبية ينكشف له هذا الانحياز النفسي بشكل واضح, فالتصور المطروح عن الفكر الغربي ليس"تصور علمي"معني بقراءة وتفسير الحالة الغربية كنسيج اجتماعي أو شبكة معقدة تمتزج فيها السياسة والمصالح والافكار والاخلاق والتيارات, بل تقدم صورة الفكر الغربي بلغة مناقبية وعبارات وجدانية هي أقرب الى الهيام منها الى القراءة المعرفية, فخطاب غلاة المدنية عن الغرب هو خطاب تبشيري وليس كما يزعمون من أنه خطاب تحليلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت