فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 159

هاته, وإني أظن أن هاته المدونة الضخمة التي تضم جميع تقنيات التأويل, لم يكتب منها حتى الآن إلا فصول قليلة).

والحقيقة أن من يتأمل في كثير من التقنيات التفسيرية الحديثة التي سلطت على التراث يلاحظ دورانها كثيرًا حول مفهوم"السلطة"سواء كانت سلطة السيادة أو إرادة السلطة كما في الاتجاهات النيتشوية, أو سلطة المال أو البعد الاقتصادي أو البنية التحتية المتعلقة بأنماط الإنتاج كما في التفسير الماركسي, أو سلطة الليبيدو الفرويدي أم غيرها.

ويلاحظ القارئ"الهادئ"أن هذه التقنيات التفسيرية الباحثة عن دور السلطة في تشكيل النص لم يكن وهجها بسبب"عبقريتها"وإنما كان وهجها بسبب"تطرفها", فدور السلطة والمال والجنس وغيرها من الدوافع في تشكيل النص والتاريخ هي معطيات معروفة مسبقًا وليست جديدة, وإنما الذي صنع لها هذا الدوي والزخم إنما هو التطرف في جعلها العامل الحاسم.

فالوحي الإلهي ومن بعده علماء التراث كشفوا عن هذه السلطات وغيرها بشكل مبكر ولكنهم"أعطوها حجمها"ولم يبالغوا في تتبع تشكلات التاريخ بناء عليها, وهذا انعكاس لبنية الاعتدال الشرعي, وبنية الغلو الغربي.

ففي الحديث الشهير الذي رواه الترمذي وغيره وصححه غير واحد من الحفاظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«مَا ذئبان جَائِعَانِ أُرسِلاَ في زريبة غَنَمٍ بأفسَدَ لها مِنْ حِرصِ المرء على المال والشَّرَف لدينهِ»

فبين النبي صلى الله عليه وسلم سلطة الشرف وسلطة المال في تشكيل شخصية الفرد, وقبل هذا الحديث فقد أشار القرآن إلى دور هاتين السلطتين فقد حكى الله عن أصحاب الشمال قولهم:

{مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ, هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ}

وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلك في موضع آخر إلى سلطة المال وسلطة الغريزة الجنسية, فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن عمر:

«ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصِيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إِليه» .

وتكلم علماء السلوك الإسلامي كثيرًا حول"قوادح التجرد"وأسهبوا في ذكر هذه السلطات التي تؤثر على المعرفة وتخلق التحيزات الداخلية, كسلطة الآباء وسلطة مشاكلة الأصحاب وسلطة الجاه وغيرها كثير, ومن ذلك ماذكره بشكل تفصيلي منظم الإمام ابن القيم في كتابه مفتاح دار السعادة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت